فقد أخذ يستصرخ الأمم الإسلامية في كل رقعة من رقاع العالم الإسلامي، للالتفاف حول دولة الخلافة لتكوين قيادة عامة للمسلمين جميعًا، سنة وشيعة عربًا وفرسًا وتركًا، وقد جمع السلطان عبد الحميد حوله عددًا كبيرًا من زعماء العرب والبلاد الإسلامية، وقد شعرت إنجلترا وفرنسا وهما الدولتان اللتان كانتا تحكمان قهرًا أكبر عدد من المسلمين - بحرج الموقف إزاء التفاف العالم الإسلامي حول الخليفة وحسبت لذلك ألف حساب، لا سيما حينما أيدته ألمانيا العدوة لهذه الدول، وحين كسر الخلاف مع الشيعة، وبدأ بعقد صلح معهم بعد استقدام جمال الدين الأفغاني، وحين بدأ يتخذ الأسلوب العصري في الوحدة بإقامة سكة حديد الحجاز، وقد جمع لها سبعة ملايين من الدنانير، وكذلك سكة حديد بغداد.
وقد أشارت الدكتورة الماولتن في كتابها عنه، أنه كان لديه أربعون ألفًا من الدعاة للوحدة الإسلامية، ممن كانوا في القسطنطينية من طلبة المعاهد الإسلامية، وقد وجه دعوته إلى روسيا وشمال أفريقيا والهند والصين، وإلى المسلمين أينما وجدوا ومن أي جنس كانوا، وقد حدث هذا في الوقت الذي كانت الدول الأوربية تترقب بفارغ الصبر موت"دولة الرجل المريض"لتقسيم ميراثها وتوزيع أرثها فيما بينها.
رجل يرجح عظماء العصر:
وليس أدل على براعة السلطان عبد الحميد، من عبارة السيد جمال الدين الأفغاني الذي قال، بعد أن التقى بالسلطان وتعرف إلى مشروعه في الجامعة الإسلامية وأسلوبه في العمل السياسي مع دول أوربا:"إن السلطان عبد الحميد لو وزن مع أربعة من نوابغ العصر لرجحهم ذكاء ودهاء وسياسة"فلا عجب إذا رأيناه يذلل ما يقام لملكه من الصعاب من دول الغرب أنه يعلم دقائق الأمور السياسية ومرامي الدول الغربية، وهو معد لكل هوة تطرأ على الملك مخرجًا وسلمًا. وأعظم ما أدهشني ما أعده من خفى المسائل وأمضى العوامل كي لا تتفق أوربا على أمر خطير في الممالك العثمانية وكان يراها عيانًا محسوسًا: إن تجزئة السلطنة العثمانية لا يمكن أن تقع إلا بخراب الممالك الأوربية بأسرها، وكلما حاولت دول البلقان الخروج على الدول بحرب، كان السلطان يسارع بدهائه العجيب لحل عقد ما ربطوه وتفريق ما جمعوه"."
وقد وصفت خطة السلطان بأنها تمثل"سياسة التوازن الدولي"التي كان من شأنها أن تبقى الدول الغربية متحاسدة متنابذة في الأمور التي تتعلق بتركيا ومستقبلها.
ليس الخلاص في المدنية الغربية:
وقد أشارت الدكتورة الماولتن إلى أن السلطان عبد الحميد كان أول من تجرأ - بعد مائتي عام من الهزيمة والتقهقر - على تحدي العالم الغربي، ومن ذلك قوله:"يجب ألا ندع الغرب يبهرنا فإن الخلاص ليس في المدنية الأوربية وحدها"، وقوله:"إن تركيا هي نافذة الإسلام التي سيشع منها النور الجديد".
وقد وجدت دعوته أصداء واسعة وكان لتنقلات الدعاة، والمبشرين المسلمين إلى هذه المسافات البعيدة التي كان عليهم أن يقطعوها للوصول إلى الجماعات الإسلامية المتفرقة، كان لذلك أبعد الأثر في النتائج الحاسمة السريعة فكان يتلقى الوفد الرسائل والوثائق الرسمية من مختلف أنحاء العالم تتضمن تأييد الملايين للسلطان إيمانًا بفكرته وتعلقًا بحركة الجامعة الإسلامية.
وأشار تقرير سفير بريطانيا لدى الباب العالي سنة 1907 م إلى هذا الخطر بقوله:"يمكننا أن نقرر أن من أهم حوادث السنوات العشر الأخيرة على الأقل (1798-1907 م) خطة السلطان الباهرة، التي استطاع أن يظهر بها أمام 300 مليون مسلم في ثوب الخليفة - الذي هو الرئيس الروحي في الدين الإسلامي - وأن يقيم لهم البرهان على قوة شعوره الديني وغيرته الدينية ببناء سكة حديد الحجاز ونتيجة لهذه السياسة فقد أصبح حائرًا على خضوع رعاياه له خضوعًا أعمى".
عملان جليلان:
وأشار كثير من المؤرخين إلى العملين الكبيرين - اللذين عجلا بإسقاط السلطان عبد الحميد - وهما:
إنهاء الخلاف بين السلطان والشاه وتصافحهما، هذا الخلاف الذي كان منذ مدة طويلة ينخر في عظام العالم الإسلامي.
قرار مد خط حديدي إلى مكة المكرمة كجزء من خطة الجامعة الإسلامية لمساعدة آلاف المسلمين على أداء فريضة الحج، وقد نهض بالمشروع في حماسة بالغة وحشد له كل ما استطاع من جهد مادي وبشري، حتى أتم إنجازه بسرعة خارقة وبدون أي عون من أوربا.
وقالت الدكتوره الماولتن:"لقد استطاع أن يقود تركيا بعيدًا عن الكارثة بمناوراته السياسية البارعة، موازنًا بين مقاطعاته ودول أوربا، مستحثًا الهمم رافعًا الآمال، موجهًا انتباه العالم نحو أشياء جديدة، كلما كان التوتر يهدد بأن يصبح حادًا."
وكانت خطته لاستعادة قوة تركيا ومجدها عن طريق توحيد العالم الإسلامي تقترب من النجاح.
العنصريات والقوميات: