فهرس الكتاب

الصفحة 20832 من 27345

الدكتور عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف

علينا أن نفرق بين بغض الكفار ومعاداتهم، وبين البرِ والاقساط، فبعض الناس يخلطُ بين الأمرين، فيجعل البرَ والعدل مع الكفار محبةً لهم، وعكسَ بعضُ الناس المسألة، فربما ظلمَ الكافر باسم العداوة له.

فالمتعين أن نبغض الكفار؛ لأنَّ الله أمرنا أن نبغضهم، ولكن لا نظلمهم، فقد قال - تعالى: (( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) ) (الممتحنة: 8)

وقال - تعالى - في الحديث القدسي: ("يا عبادي، إنِّي حرمتُ الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا") .

يقولُ القرافي في كتابه (الفروق) لما فرقَ بين مسألةِ بُغضهم، ومراعاةُ البرِ والإقساط قال:"وسرُّ الفرق أنَّ عقد الذمة يوجبُ حقوقًا علينا لهم؛ لأنَّهم في جوارنا، فيتعين علينا برُّهم في كل أمرٍ لا يكونُ ظاهرهُ يدل على مودةٍ في القلب، ولا تعظيمِ شعائرِ الكفر، فمتى أدَّى إلى أحد هذينِ، امتنع وصار من قبل ما نهى عنه في الآية" [1]

بعض الناس يقول: نحن إذا بغضنا النصارى وعاديناهم مثلًا هذا يُؤدي إلى نفرتهم عن الإسلام وبغضهم له.

وليس الأمرُ كذلك، فإنَّ الله - تعالى -أرحمُ الراحمين، وهو - سبحانه وتعالى - أحكمُ الحاكمين، حيثُ شرعَ بُغض الكفارِ وعداوتهم، فلا يتوهم أن تحقيق شعيرةِ البراءةِ من الكافرين يؤولُ إلى النفرة عن الإسلام، بل إنَّ الالتزامَ بهذه الشعيرة وسائر شعائرِ الإسلام سببٌ في ظهورِ الإسلام وقبوله، كما وقعَ في القرون المفضلة،"جاء في سيرةِ ابن هشام أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قال: (( من ظفر به من رجال يهود فاقتلوه ) )فوثب مُحيصةَ بن مسعودِ على ابن سُنَينَة، رجلٌ من تجارِ اليهود يبايعهم، فقلتهُ، وكان حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يسلم، وكان أسنّ من محيصة، فلما قتلهُ جعل حويصةُ يضربهُ ويقول: أي عدوَّ الله أقتلته؟ أما والله لربَّ شحمٍ في بطنك من ماله، قال محيصة: فقلتُ له: واللهِ لقد أمرني بقتلهِ من لو أمرني بقتلكَ لضربتُ عُنُقك، قال: فو الله إن كان لأوّل إسلام حويصة، قال: آلله لو أمرك محمد بقتلي لقتلتني؟ قال نعم، والله لو أمرني بضربِ عنقك لضربتها، قال: والله إنَّ دينًا بلغَ بك هذا لَعجَبٌ، فأسلم حويصة" [2]

وها نحنُ نرى الكثير من المسلمين في هذا العصر وقد ارتموا في أحضانِ الكفار، وأحبُّوهم وداهنوهم، ولم يكن ذلك سببًا في إسلامهم، بل امتهن الكفارُ أولئك القوم، وزادوا عتوًّا ونفورًا عن الإسلام وأهله.

وأمرٌ آخر: أنَّ تحقيق هذا الأصلِ سببٌ في إسلامهم، كما كان اليهودُ والنصارى يدفعون الجزية للمسلمين عن صغارٍ وذلة، فكان هذا سببًا في أن ينظروا إلى الإسلام، ويسلموا من أجلِ أن تسقط عنهم الجزية.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (مثل الآصارِ والأغلالِ التي على أهلِ الكتاب، وإذلالَ المسلمين لهم، وأخذ الجزية منهم، فهذه قد تكونُ داعيًا له إلى أن ينظرَ في اعتقادهِ، هل هو حقٌّ أو باطل، حتى يتبينَ له الحق، قد يكونُ مُرغبًا له في اعتقادٍ يخرج به من هذا البلاء، وكذلك قهرَ المسلمين عدوهم بالأسرِ، يدعوهم للنظرِ في محاسن الإسلام) [3]

البعضُ يقول: إنَّ الكفار تغيّروا، فليسوا كالكفار الأوائل، نقولُ: هذا غير صحيح، فالكفارُ هم الكفار، وهم أعداؤنا في القديم والحديث، والله - تعالى - ذكر في ذلك حكمًا عامًا فقال: (( لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً ) (التوبة: من الآية10) .

وقال: - عز وجل: (( كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً ) ) (التوبة: من الآية8) .

البعضُ يحبُ في الله، ويبغضُ في الله، لكن تكونُ هناك شائبة، فعند ما يتفقدُ نفسهُ يجدها تحبُّ لأجل دنيا أو تبغض لأجل دنيا.

مثال: رجلٌ يقول: أنا أبغضُ فلانًا النصراني في الله، لكن عند ما تبحث في أصلِ البغض تجدهُ يبغضهُ لأجل حظٍ أو أثرةٍ. فينبغي أن يمحصَ الحبُّ في الله والبغضُ في الله، بأن يكون خالصًا لله وحده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت