عبودية الشهوات ... مَكْمَنُ الدَّاءِ و سُبُلُ الدَّوَاءِ
رئيسي:الرقائق:الاثنين 29 صفر 1425هـ - 19 أبريل 2004م
إن الناظر إلى واقعنا الحاضر يرى أنواعًا من التعلق بالشهوات والافتتان بها، فما أكثر المسلمين الذين أشربوا حب الشهوات من النساء والأموال، والملبوسات والمركوبات، والمناصب والرياسات، والولع بالألعاب والملاهي.وسوف نتحدث عن جملة من تلك الشهوات التي استحكمت بأفئدة كثير من الناس وعقولهم.
ومن المناسب أن نتحدث ابتداءً عن الموقف الصحيح تجاه الشهوات إجمالًا قبل الحديث عن بعض أفرادها تفصيلًا.
إن المسلك العدل إزاء الشهوات وسط: بين أهل الفجور ، وأصحاب الرهبانية؛ فأهل الفجور أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات؛ وأهل الرهبانية حرّموا ما أحل الله من الطيبات. ودين الله يراعي أحوال الناس، ويدرك ما هم عليه من الغرائز والشهوات؛ لذا فهو يبيحها ويعترف بها، لكنه يضبطها ويهذبها.
يقول ابن القيم مقررًا ذلك: [لما كان العبد لا ينفك عن الهوى ما دام حيًا فإن هواه لازم له كان الأمر بخروجه عن الهوى بالكلية كالممتنع، ولكن المقدور له والمأمور به أن يصرف هواه عن مراتع الهَلَكة إلى مواطن الأمن والسلامة؛ مثاله أن الله لم يأمره بصرف قلبه عن هوى النساء جملة؛ بل أمره بصرف ذلك إلى نكاح ما طاب له منهن من واحدة إلى أربع، ومن الإماء ما شاء، فانصرف مجرى الهوى من محل إلى محل، وكانت الريح دبورًا فاستحالت صبًا] [ روضة المحبين، ص11] .
واتباع الشهوات والانكباب عليها يؤول إلى استيلائها على القلب، فيصير القلب عبدًا وأسيرًا لتلك الشهوات، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [إن المتبعين لشهواتهم من الصور والطعام والشراب واللباس يستولي على قلب أحدهم ما يشتهيه حتى يقهره ويملكه، ويبقى أسير ما يهواه يصرفه كيف تصرّف ذلك المطلوب...] .
وإذا كان الإفراط والانهماك في الشهوات مذمومًا شرعًا، كما قال عز وجل: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [59] } [سورة مريم] . فكذلك اتباع الشهوات مذموم عقلًا؛ فإن العاقل البصير ينظر في عواقب الأمور، فلا يُؤْثِرُ العاجلة الفانية على الآخرة الباقية، بل ينهى نفسه عن لذةٍ يعقبها ألم، وشهوة تُورث ندمًا، وكفى بهذا القدر مدحًا للعقل وذمًا للهوى.
وليعلم العبد أن الصبر عن الشهوات وما فيها من الإغراء والبريق والافتتان أيسر من الصبر على عواقب الشهوات وآلامها وحسراتها، كما بينه ابن القيم بقوله: [الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة، فإنها إما أن توجب ألمًا وعقوبة، وإما أن تقطع لذة أكمل منها، وإما أن تضيع وقتًا إضاعته حسرة وندامة، وإما أن تثلم عرضًا توفيره أنفع للعبد من ثلمه، وإما أن تُذهب مالًا بقاؤه خير له من ذهابه، وإما أن تضع قدرًا وجاهًا قيامه خير من وضعه، وإما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة، وإما أن تطرق لوضيع إليك طريقًا لم يكن يجدها قبل ذلك، وإما أن تجلب همًا وغمًا وحزنًا وخوفًا لا يقارب لذة الشهوة، وإما أن تنسي علمًا ذكره ألذ من نيل الشهوة، وإما أن تُشمت عدوًا وتحزن وليًا، وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة، وإما أن تحدث عيبًا يبقى صفة لا تزول؛ فإن الأعمال تورث الصفات والأخلاق] [الفوائد، ص131] .
من أنواع الشهوات:
1-شهوة النساء:
وأما عن شهوة النساء، أو بالأحرى شهوة الجنس عمومًا فإن المتأمل في أحوال المسلمين فضلًا عمن دونهم يرى سُعارًا تجاه هذه الشهوات، وولوغًا في مستنقعاتها الآسنة، فما أكثر المسلمين العاكفين على متابعة الأطباق الفضائية وشبكة الإنترنت، وقد سمّروا أعينهم في سبيل ملاحقة برامج الفحش، وما أكثر الذين يشدّون رحالهم إلى بلاد الكفر والفجور في سبيل تلبية شهواتهم المحرمة.
لقد تكالب شياطين الإنس والجن مع النفوس الأمّارة بالسوء على إفساد عفاف المسلمين وأخلاقهم، قال سبحانه: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [27] } [سورة النساء] .
ومن أرخى لشهوته العنان؛ فإن سعار هذه الشهوة لا حد له ولا انقضاء، والمولع بشهوة الجنس بدون ضابط، أو رادع؛ لا يقف ولا يرعوي، يقول الشيخ علي الطنطاوي: [لو أوتيتَ مال قارون، وجسد هرقل، وواصلتك عشر آلاف من أجمل النساء من كل لون وكل شكل، وكل نوع من أنواع الجمال، هل تظن أنك تكتفي؟ لا، أقولها بالصوت العالي: لا.. أكتبها بالقلم العريض..ولكن واحدة بالحلال تكفيك. لا تطلبوا مني الدليل؛ فحيثما تلفّتم حولكم وجدتم في الحياة الدليل قائمًا ظاهرًا مرئيًا] [فتاوى علي الطنطاوي، ص146] .