فهرس الكتاب

الصفحة 4629 من 27345

جراء تمسك المسلمين بدينهم وعقيدتهم، وتطلعهم الجاد لإعادة الحكم بما أنزل الله، وبالتالي رجحان عودة الإسلام السياسي لواقع الحياة والتطبيق العملي، صار الغرب الكافر وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية, يدرك مدى هشاشة مخططاته التي وضعها وسار عليها منذ عقود مضت، لضرب الإسلام والإجهاز على عقيدته. وأميركا على وجه الخصوص, بوصفها رأس الكفر وحربته, وإحدى الدول الطامعة في بلاد المسلمين وثرواتهم، ترى على الدوام، في تمسك المسلمين بدينهم، وتحركهم الجاد للنهوض، تهديدًا مباشرًا لمصالحها، ليس في مناطق المسلمين فحسب بل وفي العالم بأسره.

لقد قررت أميركا، منذ زوال الشيوعية واندحارها، اتخاذ الإسلام عدوًا لها، وذلك كمقدمة لإعادة صياغة مخططاتها لمنطقة العالم الإسلامي، بما يحقق لها إزالة أثر العقيدة الإسلامية من نفوس المسلمين، وتكريس هيمنتها ونفوذها على هذا الجزء الحيوي من العالم.

وإنه، وإن كان لسقوط الشيوعية وانحنائها أمام الحضارة الغربية, أثر بالغ في تنامي النزعة لدى صنّاع القرار في الغرب، وفي أميركا تحديدًا، لجعل الرأسمالية مبدأ لكافة شعوب وأمم الأرض، بمن فيهم الأمة الإسلامية، إلا أن هذا السقوط للشيوعية قد ساهم إلى حد كبير في الكشف عن قوة الإسلام، ومدى تمكنه من نفوس المسلمين. إن الأحداث الجسام التي عصفت بالأمة الإسلامية ردحًا طويلًا من الزمن، لم تنل من إسلامية الأمة، الأمر الذي جعل من الأمة الإسلامية هدفًا لمخططات أميركا الجديدة، الهادفة لضرب الإسلام، وجعل الرأسمالية دينا جديدا للمسلمين، هذا من حيث الدوافع الكامنة وراء العداء الصليبي المتأصل في نفوس الكفر والكافرين تجاه الإسلام والأمة الإسلامية.

أما من حيث ترجمة هذا العداء إلى أقوال وأفعال ومخططات، ترسمها الدول الكافرة بزعامة أميركا, بقصد التصدي للمسلمين ولعقيدتهم, فإن الاستراتيجية الأميركية الجديدة لمنطقة العالم الإسلامي, إنما تنطلق من مفاهيم القوة، وغطرسة القوة. بمعنى محاولة فرض النظم والقيم الغربية على شعوب الأمة الإسلامية, بواسطة القوة, وبما يلزم لهذه الاستراتيجية من دعاية مضلِّلة، وغزو، واحتلال، كلما لزم الأمر. هذا فضلا عن اتباع شتى أساليب الضغط والتضييق على المسلمين، على مستوى العالم, وبالذات البلاد الإسلامية, لحمل المسلمين على نبذ عقيدتهم ودينهم, واتخاذ حضارة الغرب حضارة لهم.

وإنه، وإن كانت الإدارة الأميركية السابقة بزعامة كلينتون, هي صاحبة مشروع جعل الرأسمالية مبدأ لكافة شعوب وأمم الأرض, بمن فيهم شعوب الأمة الإسلامية, ولكن بأسلوب الدعاية والحوار واقتصاد السوق وغيره, إلا أن الجديد في الاستراتيجية الأميركية الحالية, هو عسكرة الحملة العالمية التي خطها كلينتون. وما نشاهده اليوم من غزو أميركا لأفغانستان والعراق, وقتل وتشريد للمسلمين في فلسطين وكشمير والعراق, لخير دليل على هذا التوجه لدى صناع القرار في إدارة بوش الحالية.

وعليه، فإن المجموعة المتشددة التي تتشكل منها إدارة بوش الحالية, تؤمن بأن القوة العسكرية التي توفرت للولايات المتحدة في هذا الظرف التاريخي النادر, يجب أن تسرع في حسم كل المعارك العسكرية منها والثقافية, لصالح الولايات المتحدة والمعسكر الديمقراطي, وذلك قبل أن تزداد المخاطر التي من شأنها أن تشكل تهديدا لأمن الولايات المتحدة القومي.

هذه الفلسفة, التي تقوم على أساسها السياسة الخارجية للولايات المتحدة اليوم, جراء تبني إدارة بوش الابن لها, هي في واقعها مستوحاة من نظرة الفيلسوف الأميركي الياباني الأصل, فرانسيس فوكوياما -صاحب نظرية نهاية التاريخ _على حد زعمه_ يقول فيها: إن المعارك الكبرى التي دارت في القرن العشرين، وهو يقصد منذ هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، انتهت بنصر حاسم لقوى الحرية، وبروز نموذج واحد ومستدام, وعناصره هي: الحرية والديمقراطية والمشروع الحر؛ لهذا نجد أن وزير الدفاع الأميركي الحالي, دونالد رامسفيلد, يتبنى بل يعمل على مضاعفة القوات المسلحة الأميركية خارج الولايات المتحدة, إلى مستوى الضعف.

وكذلك يمكن ملاحظة هذا الطراز من التفكير لدى المتنفذين في إدارة بوش الحالية, من خلال الوثيقة الرسمية التي أعلنها البيت الأبيض رسميا في 20/9/2002م، تحت عنوان (الاستراتيجية الأميركية لأمن الولايات المتحدة القومي) ما نصه: «سوف تستخدم الولايات المتحدة قوتها العسكرية والاقتصادية, لتشجيع قيام المجتمعات الحرة والمفتوحة, وستعمل كل ما في إمكانها، بوصفها الدولة العظمى الوحيدة في العالم, لاستخدام المعونة الخارجية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي, لكسب معركة الأفكار والقيم المتنافسة, بما في ذلك كسب معركة العالم الإسلامي» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت