فهرس الكتاب

الصفحة 4628 من 27345

وكذلك كانت لي رحلةٌ ذاتَ مرة إلى مدينة"بريلي"بولاية"أترابراديش"بالهند ، فأَبْدَى مديرٌ للشرطة رغبةً في الاجتماع بي ؛ لأنّه كان حريصًا على زيارة ذوي العلم والفضل . وعندها كذلك رَأَى بعضُ المحبين أن المديرَ ينبغي أن يحضر إلى منزلي ؛ لأن في ذلك إكرامًا لي ، أمّا حضوري إليه فهو مذلّة . أما أنا فرأيتُ غيرَ ما رَأَوْا ؛ حيث فكّرتُ أنه إذا جاء إليّ أكون أنا المُستَقْبِل له والمُحْتَفِي به، وإذا حضرتُ إليه يكون هو المُكْرِم لي؛ فذهبتُ أنا إليه ، فَتَنَاوَني بحفاوة بالغة .

وقد كان ما أبديتُ من السبب في حضوري إلى مدير الشرطة ، مبنيًّا على فكرة الإخوان . أما السبب الحقيقي أنّ الله أكرمه بمنحه السلطةَ ، وجعله مسيطرًا علينا ؛ فندمتُ على أن أجعل الحاكم محكومًا . إن الله إذا جعله حاكمًا فالأدبُ التكويني يقتضي أن نعامله معاملةَ المحكوم مع الحاكم . فإذا رَغِبَ حاكمٌ من الحكاّم في لقائي أُحِبُّ أن أزوره أنا . أمّا اليوم فقد سادتِ التقاليدُ التي تجعل الناس يحسبون أنّ في ذلك مذلّةً للعُلماء وذوي الفضل .

قصة أخرى

كان الحديث يدور أصلًا في توارث سجّادات المشايخ ، فأشير إلى مفسدةٍ أخرى من خلال قصة ممتعة ؛ ولكنها مثيرة لدرس كبير: يقال: اِنّ قاضيًا (مأذونًا شرعيًّا للإمامة والمناكحة والطلاق) مسلمًا صار مدينًا لمرابٍ هندوسيّ في مدينة ، فرفع المرابي ضدّه دعوىً إلى المحكمة ، فأصدرت الحكم بمصادرة مُمْتَلَكاَتِه وأراضيه الزراعيّة حتى ما كان يناله من المكافآت النقدية لقاءَ الخطابة والإمامة ؛ فقد كان دخلُه الحاصلُ أيام العيدين كبيرًا جدًّا . قال الراوي: إنه رأى ذات مرة يومَ العيد أن المسلمين يتوافدون إلى المُصَلّى في ملابس جديدة وبدأوا ينتظرون مقدمَ الإمام ، فما لبثوا أن رَأَوْا مُرَابِيًا هندوسيًّا يُغِذّ الخطى إليهم في"الدهوتي"- الإزار الطويل الأبيض الرقيق الذي يتّزر به الهندوس شعارًا لهم - وما إن وصل المُصَلَّى حتى ارتفع الضجيجُ بأن السيد الإمام قد حَضَرَ . وقضيتُ من عجبى - لايزال الحديث للراوي - وقلتُ في نفسي يا إلهى ! كيف هذا الإمام ؟ هل المرابي الهندوسيّ سيُصَلِّي العيدَ بالناس ؟!. وما هو إلاّ دقائق حتى صَعِدَ المرابي فعلًا المنبرَ ، وانْتَصَبَ قائمًا وخاطب الناسَ: أيّها الناس ! هل تسمحون لي ؟ قالوا: نعم ، نسمح لك ، فبسط ثوبًا على الأرض ، وبدأ الناس يقذفون عليه الفلوسَ والروبيّاتِ . وعندما انْتَهَوْا من دفع النقود ، عَدَّدَ ما تَجَمَّعَ منها على ثوبه ، وسَجَّلَ المجموعَ في دفتر حسابه بأنّ الدخلَ كان يومَ العيد هذا العامَ كذا من الروبيّات ، ثم جَعَلَها في صُرَّة ، وألقى الصُرَّةَ على إحدى كتفيه ، ثم قال للناس: هل تأذنون ؟ قالوا: نأذن لك . ثم قَدَّمَ إليهم التحيّةَ ، ورَجَعَ أدراجَه إلى بيته ، ثم لَحِقَه الناسُ إلى بيوتهم دونما صلاة أو خطبة تتبعها. وقد سألهم الراوي: أَوَلا تُؤَدَّى الصلاةُ ؟ فقَصُّوا عليه القصةَ بفصّها ونصّها ، وقالوا: إن السيد الإمام مدين للمرابي الهندوسي هذا ، وقد حَصَلَ على قرار قضائي بمصادرة ما كان يناله الإمام من الدخل يومي العيدين ، فاخْتَفَى هو منذ سنوات ، فلا يَطْلُعُ إلى المُصَلَّى . أمّا نحن فنحضره كالعادة ، وهذا المرابي يواظب على استخراج النقود وجمعها ؛ فصلاتا العيدين لاتُؤَدَّيَان منذ سنوات .

فالإرثُ المعمولُ به في أمثال هذه الأشياء ، إحدى مفاسده أن الدخل الحاصل بأسماء المشايخ والصالحين يضيع في غير موضعه ، فالأوقافُ الكثيرةُ تضيع ؛ لأنّ الغلاّت والحاصلات الموقوفه لصالح زوايا الصالحين تذهب هدرًا ؛ لأن تقليد استخلاف المشايخ وتوارثِ سجّاداتهم ، لايسمح بتولّي القيام على الأوقاف إلاّ لأولاد المشايخ سواء أكانوا صالحين أو طالحين ، ثم يمتد الأمرُ إلى ادّعائهم ملكَها . وعلى ذلك فضاعت آلافٌ من الأوقا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت