فهرس الكتاب

الصفحة 10360 من 27345

المدرسة القرآنية د. الحبر يوسف نور الدائم*

هاهو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم بالقرآن حتى تتفطر قدماه, وها هم أولاء أصحابه الميامين يقومون معه فتتنفخ منهم الأقدام أيضًا ( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل و النهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه) وبين هذه الآية الأخيرة من سورة المزمل وبين أول السورة سنة من الزمان كاملة نصب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم و أصحابه قاموا فيها الليل يقرآون القرآن و يصلون:

إذا ما الليل أظلم كابدوه ** فيسفر عنهم وهم ركوع

أطار الخوف نومهم فقاموا ** وأهل الأمن في الدنيا هجوع

لهم تحت الظلام وهم سجود ** أنين منه تختلف الضلوع

فيا له من نصب, ويالها من رغبة ويالها من حياة (فإذا فرغت فانصب . وإلى ربك فارغب) كانوا يرون إجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن فيحفزهم ذلك إلى أن يجتهدوا كما اجتهد, وأن يعملوا كما عمل ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله و اليوم الآخر وذكر الله كثيرا ) يقبل عليهم يجالسهم فيقتبسون من نوره, ويغرفون من بحره, وينالون من فيضه وفضله, منه ينهلون, وعنه يصدرون, وإليه يرجعون.

وهو بينهم يحنو عليهم حنو المرضعات على الفطيم, يوطئ لهم من كنفه, ويشملهم برعايته, ويتعهدهم بالتربية و التعليم, والتزكية و التوجيه ( هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) أرأيت نعمة أجل, ومنة أفضل؟ رسول كريم يضرب من نفسه المثل الحي, والأسوة الحسنة, و القدوة الصالحة... إن أمرهم بأمر كان أول الممتثلين و إن نهاهم عن شيء لم يخالفهم اليه...يرونه أمامهم يغدو بالقرآن ويروح يتلوه مقبلا ومدبرا, مصبحا وممسيا... باليل و النهار في الحل و الترحال في العسر و اليسر وعلي كل حال.

أقبل يوما على عبد الله بن مسعود الذي قال فيه ( من أحب أن يقرأ القرآن غضًا كما أنزل فليقرأه علي قراءة ابن ام عبد ) .

ابن أم عبد الذي أخذ من في رسول الله صلي الله عليه وسلم سبعين سورة , إبن أم عبد الذي ما من آية في كتاب الله إلا وهو يعلم أبليل نزلت أم بنهار... أبسهل نزلت أم بجبل... إبن أم عبد الذي كان يقول ( إذا وقعت في آل حم وقعت في رياض دمثات أتأنق فيهن) فحق أن تزن ساقه الدقيقة جبل احد يوم القيامة.

أقبل الرسول الكريم على صاحبه الجليل يقول له (إقرأ علي شيئًا من القرآن) فيقول له صاحبه متعجبا (أأقرأ وعليك أنزل؟! ) فيقول ( إني أحب أن أسمعه من غيري) نعم إنه ليتلوه وإنه ليسمعه من غيره فيحسن السماع بل إنه ليستمع لأصحابه وهم يقرءون القرآن ولا يعلمون مكانه, أولم يقل لصاحبه أبي موسى لقد سمعتك البارحة وأنت تتلو القرآن... لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داوود فيقول الصاحب الكريم ( أما لو علمت مكانك لحبرته لك تحبيرا) هاهو ذاك صاحبه ابن مسعود يستجيب للطلب الكريم فيقرأ آيات من سورة النساء حتى إذا بلغ قوله تعالى

( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا . يومئذ يود الذين كفروا لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا ) قال حسبك, قال الصاحب فالتفتّ فإذا عيناه تذرفان , وفي رواية مسلم فإذا دموعه تسيل. أرأيت تأثرا أبلغ و أكمل من هذا التأثر الذي تسيل منه الدموع, وتفيض منه العيون , ألا إنه الحق الذي يتحرك له القلب الحي, و الضمير المتيقظ , و الحس الرهيف. وفي التفاتة اخرى من رسول الله كريمة يقول لصاحبه أبي بن كعب الذي قال فيه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما (أبي أقرؤنا لكتاب الله) وكيف لا يكون أقرؤهم لكتاب الله وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ليهنك العلم أبا المنذر) وذلك أنه سأل أصحابه ذات مرة عن سيد آي القرآن فكانت الإجابة الصائبة من أبي إذ قال (هي آية الكرسي يا رسول الله) فأعجب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له ما قال. أقبل الرسول الكريم على صاحبه ذي القدم الراسخ, الضرس القاطع , و الباع الطويل أقبل عليه ليقول له ( إن الله قد أمرني أن أقرأ عليك سورة) قال قتادة ( كنا نحدث أنها سورة(لم يكن) ... (إن الله قد أمرني أن أقرأ عليك سورة) يالها من قولة, ويا له من شرف وياله من تكريم ! الرسول يؤمر من فوق سبع سموات أن يقرأ علي صاحبه سورة ! عجب لها صاحبه فقال متسائلًا (آلله سماني لك يا رسول الله؟ ) قال نعم , فلم يملك الصحابي نفسه أن فاضت عيناه... لقد بكى ...بكى فرحا فقال له إخوانه (وفرحت بذلك أبا المنذر؟ قال ( وما لي لا أفرح وأنا أسمع الله يقول(قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) هكذا كان الهم وهكذا كانت الهمة, وتلك كانت المقاييس:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت