تكرير مياه الصرف الصحي (المياه العادِمة)
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين- أما بعد:-
فإن النجاسة نوعان: منها ما هو نجاسة عينية ، ومنها ما هو نجاسة حكمية أو معنوية ؛ فالنجاسة العينية: كل عين تدرك حسًا إما بلون أو طعم أو ريح . وهي على نوعين ؛ فمنها ما يكون نجسًا في ذاته ، ومنها ما يكون متنجسًا بغيره ؛ فأما النجاسة الذاتية فهي في الجملة لا تطهر بحال (1) ، كالبول والغائط ودم الحيض . وأما المتنجسات فلا بد في تطهيرها من إزالة عين النجاسة عنها (2) ، ولا بد من إزالة أوصافها الثلاثة ؛ من اللون أو الطعم أو الريح أو ما وُجد منها ؛ إن أمكن (3) .
وأما النجاسات الحكمية فمنها ما هو حدث - سواء كان حدثًا أصغر أو أكبر - ، ومنها ما هو نجاسة عينية يُتيقن وجودها ويُجهل مكانها كالبول إذا جف على المحل ولا يوجد له رائحة ولا أثر ؛ فهذه تطهر بتجاوز محل سببها كما في غسل الأعضاء من الحدث ؛ فإن محل الحدث الفرج مثلًا - حيث خرج منه خارج - وقد وجب غسل غيره من الأعضاء (4) ؛ وهذه يكفي فيها جري الماء على المحل مرة واحدة من غير اشتراط أمر زائد (5) ؛ هذا في الأحداث ، وأما في غيرها فقد ذكر الكاساني خلافًا في تطهير النجاسة غير المرئية ؛ هل تطهر بالغسل ثلاثًا أو تطهر بالغسل مرة واحدة (6) .
ومسألتنا هذه التي نتحدث عنها هي من قبيل المتنجسات - ولا شك - والتي تطهر بإزالة عين النجاسة عنها ؛ كما تقدم .
والناظر في المطهرات الشرعية لهذا النوع من النجاسات يرى أنها متفاوتة متعددة ؛ فمنها المائع ، ومنها الجامد ، ومنها ما يطهر بدون مائع ولا جامد . ومحصل التطهير في ذلك أن يقال:
أما التطهير بالمائع فقط لإزالة النجاسة العينية فهو الماء ؛ ويستخدم في التطهر من البول والغائط ، والدم ، ودم الحيض ، والمني - عند من قال بنجاسته - وفي التطهر من المذي والودي .. وغيرها ؛ كما يكون التطهير بالمائع في النجاسات الحكمية بالتكثير .
وأما التطهير بالجامد فقط لإزالة النجاسة العينية ؛ فهي الحجارة التي تستخدم في إزالة النجاسة بالاستجمار.
وأما التطهير بالمائع والجامد معًا لإزالة النجاسة العينية ؛ فذلك بالماء والتراب من البول والغائط والمني كما في حديث ابن عباس رضي الله عنه عن ميمونة - رضي الله عنها -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -"اغتسل من الجنابة فغسل فرجه بيده ثم دلك الحائط ثم غسلها ثم توضأ.."الحديث (7) ، ويكون التطهير بالماء والتراب أيضًا من لعاب الكلب ؛ كما يكون التطهير بالمائع والجامد أيضًا بالماء والقرظ في تطهير الجلد .
وأما التطهير من دون مائع ولا جامد لإزالة النجاسة العينية ؛ فيقع في إزالة النجس وما حوله في تطهير السمن من الفأرة ، ويقع أيضًا في النزح ؛ كما يكون في النجاسات الحكمية بالاستحالة .
ومن خلال ما سبق يمكن القول: أن تطهير مياه الصرف الصحي لا يمكن أن يكون باستخدام الحجارة ، ولا بالماء والتراب ، ولا بالماء والقرظ ، ولا بإزالة النجس وما حوله . وإنما يمكن أن يكون بالتكثير أو بالنزح أو بالاستحالة . وإليك بيان ذلك بالتفصيل:
أولًا: التطهير بالتكثير:
الأصل في هذا النوع من التطهير هو حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس فقال لهم النبي - - صلى الله عليه وسلم - -:"دعوه وهريقوا على بوله سجلًا من ماء أو ذنوبًا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" (8) . قال الإمام الخطابي: ( وفي هذا دليل على أن الماء إذا ورد على النجاسة على سبيل المكاثرة والغلبة طهرها ) أهـ (9)
والمكاثرة تعني: أن تكاثر النجاسة بالماء حتى تستهلك فيه (10) ، و قيل: صب الماء على النجاسة حتى يغمرها بحيث يذهب لونها وريحها (11) .
واختلفوا بعد ذلك في ورود الماء المكاثَر به على النجاسة وورودها عليه ، وكذا في قدر الماء المكاثَر به ؛ فأما الورود ؛ فقال الشافعية: إنه لابد من ورود الماء المكاثَر به على النجاسة (12) ، وذهب الزيدية إلى أنه لا فرق بين وروده عليها أو ورودها عليه (13) ، ولا يعتبر في المكاثرة صب الماء دفعةً واحدةً (14) ، والمعتبر فيها الضم والجمع دون الخلط حتى لو كان أحد البعضين صافيًا والآخر كدرًا وانضما إلى بعضٍ زالت النجاسة (15) .
وأما قدر الماء المكاثر به ؛ فقيل: يشترط أن يكون الماء المصبوب سبعة أمثال البول - إن تنجس بالبول - ، وقيل: يشترط في بول كل رجل ذنوبٌ من ماء (16) ؛ والقولان عند الشافعية ، وقيل: أربعة أضعاف النجاسة ؛ وبه قال الزيدية (17) . وليس على هذه التقديرات دليل وإنما هو مجرد رأي بحت (18) ، وإنما العبرة بزوال التغيير بأي مقدار كان .