فهرس الكتاب

الصفحة 13443 من 27345

تفسير سورة الليل)

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

فلقد فرغنا بفضل الله تعالى وتوفيقه من الكلام عن السورة الثامنة في سياق تنزيل الكتاب الكريم ، وهي سورة ( الأعلى ) ، ونقف اليوم مستمدين العون والتوفيق من الله جل وعلا مع السورة التاسعة في سياق التنزيل وهي سورة ( الليل ) . ولقد كان لنا فيما مضى منهج واضح في دراسة هذه السور الثمانية ، نحن راضون عنه كل الرضى من حيث الجوهر ، ولكني أشعر أن متابعة الكلام على جانب من السور المكية على ذات النهج الذي مضى سيكون شوطًا طويلًا جدًا ، قد تفنى فيه الأعمار وتستهلك القوى ، وأنا أريد أن يتوفر للإخوة ضوء يكفي للتعرّف على حقائق الحركة الإسلامية في عهدها المبكر ، وأريد لهذا الضوء أن يتوفر للإخوة بأسرع ما يمكن ، ولعلي لو استطعت لصببت للناس ذلك كله مرة واحدة ، وما ذلك بممكن ، من أجل هذا أرى لزامًا علي لا أن أغير في حقائق المنهج ولكن في أسلوبه ، فبدلًا من التوقف الطويل عند الدقائق والتفاصيل سنمر على هذه التفاصيل مرًا سريعًا ، وسنولي الأشياء الهامة مزيدًا من العناية .

أنا أعرف تمامًا أن هذه الطريقة ستجني على أمور كثيرة ، بل لعلها سوف تنعكس على ذات القضايا التي نحرص على دراستها وإبرازها ، إن القرآن ليس فيه شيء مهم وشيء غير مهم ، كل ما في القرآن مهم ، وما أشار الله إليه في الكتاب من تفصيلات صغيرة فهذه الإشارة لا تعني عدم الأهمية بالنسبة إلى هذه التفاصيل ، إن هذه التفاصيل الصغيرة فيما يبدو للناس أشبه ما تكون في الملاط ( الإسمنت ) الذي يمسك الحجارة حين البناء ، بغيرها لا يكون البناء بناءً ، بل هو رصف للحجارة بعضها فوق بعض .

ولكني لا أملك إلا أن أضرب صفحًا عن كل هذه التفاصيل ، فكما قلت وأؤكد وأكرر وأريد أن ينغرس هذا عميقًا في قلوب الإخوة وفي عقولهم ، إن الأيام القادمة تحمل من النذر بالنسبة إلى الإسلام والمسلمين ما لا يعلمه إلا الله تعالى ، وإن من الأكبر الجناية على هذا الإسلام ومن أعظم الإساءة إلى هذه الأمة أن تواجه الأمة أخطارًا جسامًا برؤية غير مبصرة ، أو تواجه الأمة هذه الأخطار الجسام وهي مشتتة الرأي موزعة الفكر ، وفي ظني والله أعلم أننا طالما نفتقر إلى رؤية صحيحة وكاملة لصورة الحركة الإسلامية كما قادها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن نستطيع أن نفلح ولن نستطيع أن ننجح ، قد يؤتى أحدنا لسانًا ، وقد يكون أحدنا قادرًا على اعتلاء المنابر ليحرك عواطف الناس ويستثير فيهم الشجن والأحزان ، ولكن ما فائدة هذا ؟ إذا كنا نقتنع تمامًا بأننا في مواجهة صعوبات ، وأننا بحاجة إلى أن نعمل ثم لا ندري ماذا نعمل ، فأية قيمة لهذه المشاعر ؟ لا شيء لا شيء بتاتًا ، بل ربما دفع هذا الجهل بحقيقة الصورة التي قادها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوفر لها النجاح والفلاح قد يدفعنا الجهل بها إلى مغامرات طائشة أشبه ما تكون بالعمليات الانتحارية ، من أجل ذلك ومن أجل أنني قانع تمامًا وواثق جدًا من أننا مقبلون على أيام شداد وأوقات عصيبة رأيت أن أُعرض عن النهج السابق في تفصيلاته ودقائقه ، لأمسك بالخيوط الأساسية فقط ، عسى أن ننتهي في أقرب وقت ممكن من استجلاء الصورة الحقيقية لدعائم وقواعد وقوانين الحركة الإسلامية .

نحن يا إخوة لا نخدع أحدًا ، بنفس القدر الذي لا نرضى فيه أن يخدعنا أحد ، نحن قلنا ونقول إن هذا الربع الأخير من القرن العشرين هو عصر التحرك الإسلامي ، ولعل كثيرين سيغيظهم هذا الكلام فلينشقوا غيظًا ، ولكن هذه البشارة يجب ألا تطمئن العاملين . إن معنى أن يكون الإنسان في غمرة العمل مزيد من الصعوبات ومزيد من المشكلات ومزيد من المتاعب ، قد ترون السجون تضيق بالنزلاء من المسلمين ، وقد ترون الساحات العامة تتدلى عليها جثث الشهداء ، ذلك لا يضر ولا يهم ، تلك هي الطبيعة الأساسية ، وتلك هي السمة البارزة لدعوة الله جلّ وعلا ، إن ساعة النجاح دائمًا تسبقها لحظات كارثة ، إن غزوة أُحد التي مُني المسلمون فيها بخسارة فادحة وأصابتهم فيها ضربة موجعة كانت من بعدها الأحزاب ، وعندها قال الرسول عليه الصلاة والسلام: اليوم نغزوهم ولا يغزوننا . ومن بعدها كانت الحديبية ، وظن بعض المسلمين أن تنازلات الرسول صلى الله عليه وآله للمشركين مجحفة وتكشف عن ضعف موقف ، فكان أن أنزل الله على نبيه صلوات الله عليه وهو قافل من الحديبية ( إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا ) وانطلق بعد ذلك تيار الإسلام كالإعصار لا يرده شيء ولا يقف في وجهه شيء .

أكرر نحن لا نخدع أحدًا فتلك ليست من قيمنا ، كما أننا لا نرضى أبدًا أن يخدعنا أي مخلوق ، نحن مقبلون على أيام شداد وعلى أوقات سوداء ، وعدتنا في ذلك اليقين والصبر ، عدتنا في ذلك الاستمساك المطلق بحبل الله المتين ، لكن على هدى وبينة وبصيرة ، وخضوع لهذه العوامل رأيت أن أكتفي بالأمور الهامة في عرض القرآن المكي ، أو عرض جانب منه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت