تيه بني إسرائيل طارق مصطفى حميدة*
يلاحظ من له أدنى اتصال بالقرآن الكريم كثرة القصص والأخبار التي تتحدث عن بني إسرائيل، ولا شك أن لذلك حكمًا عظيمة، من أهمها حكمتان: الأولى: علم الله الأزلي بأنه سيكون بين هؤلاء القوم وبين اتباع محمد صلى الله عليه وسلم صراع طويل مرير ابتداء من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حيث يهود بني النضير وبني قينقاع وبني قريظة… وحتى قبيل القيامة، من ضمن ذلك الصراع، الصراع على الأرض المقدسة وما بعده حيث يكون اليهود هم اتباع المسيح الدجال كما ورد في الحديث الشريف… وإذا كان الأمر كذلك فلا بد للمسلمين من معرفة نفسيات أعدائهم ومكائدهم ومؤامراتهم ليكونوا منها على حذر … وليعرفوا كيف يتعاملون معهم في جو الصراع هذا .
والثانية - أن المسلمين مثل بني إسرائيل من حيث أن لكل من الفريقين رسولًا، ولقد كان دأب وعادة بني إسرائيل تكذيب الرسل وعصيان الأوامر ومخالفة النواهي فحقت عليهم العقوبات الشديدة واللعنات العظيمة، وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله … وغير ذلك من العقوبات … وذكر هذه القصص والأخبار في القرآن فيه تحذير للمسلمين أنهم إذا فعلوا مثل صنيع بني إسرائيل ، فسيحل عليهم مثل عقوباتهم… والقصة التي بين أيدينا تظهر الحكمتين معًا ، إضافة إلى عبر ومواعظ وفوائد أخرى .
قال سبحانه: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ\" (المائدة21،22) ."
لقد نجى الله تعالى موسى وقومه من فرعون وجنوده ..وسار بهم موسى حتى مشارف الأرض المقدسة .. وهناك ذكّرهم بنعم الله عليهم كي يشكروه ويطيعوا أوامره ، فإن شكر النعم مدعاة المزيد، وكفرها مدعاة للسلب والزوال: قال تعالى"وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ" (إبراهيم:7) .
فلقد ذكّرهم موسى عليه السلام بنعم في غاية الأهمية والعظمة ، أولها: أن الله جعل فيهم أنبياء فجعل قادتهم من المعصومين عن الهوى والميل والمنزهين عن الأغراض والمطامع والتآمر على قومهم .. في حين ابتليت شعوب كثيرة بزعماء أشقياء فذاقت الويلات وجنت الهزائم.
ونعمة أخرى ذكّر بها موسى قومه هي أن الله تعالى جعلهم ملوكا فأصبحوا أحرارًا يملكون أنفسهم وأموالهم وقرارهم بعد أن كانوا عبيدا، والمفروض أنه لا يعرف طعم الحرية إلا من ذاق العبودية والهوان.
والنعمة الثالثة هي أن ربكم قد آتاكم من فضله وعطائه ما لم يؤت أحدًا منه العالمين في زمانكم.. كل هذه النعم تقتضي منكم يا بني إسرائيل شكرًا خاصًا ولكن كيف تشكرون:"يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ" (المائدة:21) . إنها الطاعة لأمر الله تعالى يكون بها شكر نعمه، وهذا الأمر وكل أوامر الله فيها المصلحة للمأمور أولا وأخيرا.. ادخلوا الأرض المقدسة ولتكن فيها السيادة الكاملة، طبقوا فيها شرع الله وأقيموا دولتكم عليها ولتذهب إلى الأبد حياة العبودية.. إن أولى الناس بالأرض المقدسة الأنبياء وأتباعهم، لإقامة شرع الله وعدله، دون اعتبار لنسب أو جنس أو لغة أو لون .
وقد كتب الله لكم أن تدخلوها ـ أي أمركم بدخولها ـوإياكم أن ترتدوا على أدباركم رجوعا عن التوحيد وجبنًا عن مواجهة الأعداء فيكون هذا الانقلاب والجبن خسرانًا لكل هذه النعم ومنها الأرض المقدسة"وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ" (المائدة:21) ، فماذا كان ردهم ؟
"قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ" (المائدة:22) .