فهرس الكتاب

الصفحة 19956 من 27345

أ. د. عماد الدين خليل 26/2/1427

منذ اللحظة التي تم فيها أول لقاء بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبين الوحي

الأمين، حين أُمر بأن ( يقرأ ) .. حدث لقاء آخر يوازيه، وسيُقدّر له أن يلعب دوره الخطير على مدى تاريخ الإسلام والبشرية .. لقاء بين العقيدة والحركة.

إن الآيات الأولى من سورة (العلق) هي البداية التي تحمل دلالتها في هذا الاتجاه (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم) (1) .. إن القراءة هنا، بالنسبة لرجل أميّ كمحمد عليه السلام، لا تعني أبدًا متابعة كلمات مرسومة على صفحات الأشياء، وإنما متابعة المعاني والقيم المحفورة على صفحات الكون والعالم، حيث كل الأسهم والمؤشرات تقول بوجود الله وتؤكد وحدانيته، وحاكميته المتفردة، وهيمنته، وكلمته التي لا رادّ لها ..

إنها ـ بمعنى من المعاني ـ طلب التحرك باتجاه هذه الدلائل، للوصول الأكثر عمقًا وإدراكًا إلى الله .. وإن تكوين الإنسان المسلم، بدءًا من رسول الله نفسه، وانتهاء بآخر رجل سيُقدّر له أن ينتمي إلى هذا الدين، لا يتحقق إلاّ باجتياز هذه البوابة الكبيرة .. ولقد استغرقت عملية الاجتياز للتحقق بالقناعات العميقة الراسخة، ثلاثة عشر عامًا هي مدى العصر المكي

كلّه، حين كان القرآن، والرسول الكريم عليه السلام، يبنيان الإنسان المسلم تمهيدًا للدور الذي سيليه ..

ومع هذا الأمر الإلهي للرسول -عليه السلام- بالحركة صوب الكون والعالم، طلب منه بعد قليل أن يتحرك صوب الإنسان لكي يدعوه (يا أيها المدثر، قمْ فأنذر، وربك فكبر) (2) .. وكانت الظروف التاريخية (المرحلية) تقتضي أن تتم هذه الحركة بأكبر قدر من السرّية

والكتمان .. ولما أن تمّ بناء القاعدة الصلبة التي ستأخذ على عاتقها مهمة مدّ الدعوة إلى أوسع مساحة ممكنة، جاء الأمر الإلهي الثالث إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن (يتحرك) علانية إلى الناس كافة بدءًا بعشيرته الأقربين (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ... ) (3)

(وأنذر عشيرتك الأقربين) (4) فكان ذلك الاجتماع الحاشد الذي دعا إليه الرسول -عليه السلام- وأعلن فيه ـ لأول مرة ـ أبعاد دعوته ..

في دعوات القرآن الثلاث لرسوله الأمين -عليه السلام- عبر سنيّ الدعوة الأولى، يتبيّن هذا الارتباط الوثيق بين العقيدة والحركة .. وحتى الصيغ التعبيرية والمفردات اللغوية التي اعتمدت لتوصيل التعاليم القرآنية إلى الرسول -عليه السلام- كانت مشحونة بهذا المعنى الخطير: (اقرأ ..) (قم فأنذر ..) (فاصدع بما تؤمر ..) فليست الحركة فحسب ـ إذن ـ ولكنها الحركة الواعية بالقراءة، المخططة باتخاذ الحيطة في السنين الأولى، العنيفة الحاسمة المستقيمة بدعوة الناس كافة إلى الحقيقة الكبرى التي قُدّّر لها أن تقلب الإنسان والعالم وهي (شهادة لا إله إلاّ الله..) .

ثم كانت هجرة الرسول -عليه السلام- وأصحابه -رضي الله عنهم- إلى المدينة، حركة باتجاه آخر .. اتجاه تكوين الدولة الإسلامية بالتشريع العقديّ، بعد أن تم اجتياز مرحلة بناء الإنسان المسلم بالتصوّر العقديّ وقناعاته المتوغلة في الأعماق .. وهكذا يستمر التدفق الحركي للعقيدة الإسلامية منذ لحظات الانبثاق الأولى .. ونحن نعرف جميعًا كيف كانت سنيّ العصر المدني العشر حركة دؤوبة من أجل ترسيخ الكيان الجديد، والدفاع عن مقدراته، وضرب كل القوى التي تشكل خطرًا عليه .. حتى والرسول -عليه السلام- يعاني من الحمى القاسية في مرضه الأخير الذي أدى به إلى الوفاة .. نجده عليه السلام يمدّ بصره البعيد، إلى ما وراء الحدود، ويعدّ العدة لجيش جديد يتوغل في عمق الأرض العربية في الشمال؛ لكي يضرب عددًا من المواقع المتعاونة مع العدو البيزنطي ..

وجاء الراشدون -رضي الله عنهم- لكي يواصلوا الطريق، استنادًا إلى القاعدة التي سهر الرسول وأصحابه على تكوينها، وينتقلوا بالحركة الإسلامية إلى مرحلة جديدة، كان القرآن الكريم قد أكدها منذ العصر المكي، وكان الرسول -عليه السلام- قد رسم ـ عمليًا ـ مؤشراتها الأولى في عدد من الوقائع والأحداث، تلك هي المرحلة العالمية ..

لقد حوّل الراشدون -رضي الله عنهم- إستراتيجية (الجهاد) صوب الأهداف المركزية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت