يتناول الدرس سرا من أسرار القلوب العجيبة التي بسبب فقدانه ضاعت الأمانة وانتشرت الرذيلة واختفت الفضيلة ثم يعرض لآثار هذا السر في حياة النبلاء ابتداءً برسولنا صلى الله عليه وسلم وانتهاءً بجمع من سلفنا الصالح، ثم ذكر كيفية الوصول لهذا السر العجيب، ثم تناول رقابة الله المحيطة بالعبد، ولم يبق إلا تربية النفس على هذا السر .
ما هو السر في حياة أولئك الرجال الذين هم أموات في قبورهم ولكنهم أحياء في ذكرهم، ونحن نسمع ليل نهار تلك الأسماء على المنابر وعلى كل لسان، وفى بطون الكتب وفى كل مكان، فلا إله إلا الله من أحيا هذه الأسماء؟ وهذه هي والله الحياة الحقيقية .
السر العجيب يتحدث إلى القلب: تعال أيها القلب، لتعلم حياة النبلاء، وسير الرجال يوم أن كنت أتربع على العرش في قلوبهم، وأصول، وأجول في صدورهم. اسمع أيها القلب: يوم أن فتح لي أولئك الرجال قلوبهم؛ فأصبحوا سادة في كل شيء، فعن الحسن بن عيسى مولى ابن المبارك قال: اجتمع جماعة، فقالوا: تعالوا نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخير، فقالوا: العلم، والفقه، والأدب، والنحو، واللغة، والزهد، والفصاحة، والشعر، وقيام الليل، والعبادة، والحج، والغزو، والشجاعة، والفروسية، والقوة، وترك الكلام في مالايعنيه، والإنصاف، وقلة الخلاف على أصحابه، والتجارة، وسخاء النفس، والتصديق، والورع، والتقى، وكل ذلك عنده وأكثر .
إذا سار عبد الله من مرو ليلة فقد سار منها نورها وجمالها
إذا ذكر الأحبار في كل بلدة فهم أنجم فيها وأنت هلالها
أسمعت أيها القلب بفضل الله، ثم بفضلي أنا السر العجيب كان كل ذلك، فهل عرفتني؟
واسمع لعلم ثان من هؤلاء النبلاء: إنه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، مؤرخ، مفسر، محدث، مقرئ، فقيه، أصولي، من أكابر الأئمة المجتهدين . قال الخطيب البغدادي فيه:' كان أحد أئمة العلماء، ويحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه؛ لمعرفته، وفضله، وكان قد جمع من العلوم مالم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظًا لكتاب الله، عارفًا بالقراءات، بصيرًا بالمعاني، فقيهًا في أحكام القرآن، عالمًا بالسنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصحابة، وأقوال التابعين ومن بعدهم من المخالفين في الأحكام ومسائل الحلال والحرام، عارفًا بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في تاريخ الأمم والملوك، وكتاب في التفسير لم يصنف أحد مثله' .
فما السر في حياة هؤلاء النبلاء؟ وأين أنت من أولئك؟ هلا ذكرت لي منقبة واحدة من تلك المناقب فيك أيها الأخ؟ مسكين أيها القلب غرقت في الشهوات والملذات، أصابك الكسل والخمول، أصبحت عبدًا للدنيا دون أن تشعر كل ذلك يوم هجرتني أيها القلب .
وخذ مثلًا ثالثًا لتقنع: أسمعت بابن تيمية؟ لاشك: نعم، إذًا فاسمع كلام ابن سيد الناس فيه حيث قال عنه:' كاد يستوعب السنن والآثار حفظًا، إذا تكلم في التفسير؛ فهو حامل رايته، أو أفتى في الفقه؛ فهو مدرك غايته، أو ذاكر في الحديث؛ فهو صاحب علمه وروايته، أو حاضر في النحل والملل؛ لم تر أوسع من مشيته في ذلك ولا أرفع من درايته، برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله...' . فعجيب أمر أولئك الرجال: جمعوا الخير كله، لكنه السر العجيب الذي حولهم إلى أعلام وأبطال، فهل عرفتني أيها القلب ؟ والآن أتركك وسأرجع إليك بين الحين والحين حتى تعد لي منزلا في سويداك أيها القلب.
أهمية السر في طريق الصحوة:
إن الجميع بحاجة لهذا السر مع شدة غفلتهم عنه، ويعجبك أجسام أولئك الرجال- رجال الصحوة-وأشكالهم وأحوالهم، لكنك تبحث عنهم في الميدان؛ لترى الأعمال، فتجد الخمول والكسل، والهوان .
إن هذا السر مهم جدًا، ومؤثر فعال في حياة شباب الصحوة والدعاة إلى الله وما أكثرهم والحمد لله. فنسأل عن السبب في هذا الخمول والكسل والهوان، فإذا هو هذا السر . نقرأ الآيات، فلا قلب يتأثر، ونسمع الأحاديث والمواعظ، فلا عين تدمع، ننظر للقصص والعبر، فلا جسد يقشعر ويخشع، نحمل الموتى، وندخل المقابر ونخرج، والقلب هو القلب، ونسمع أنين الثكالى، وصرخات اليتامى، والأحداث في الشرق والغرب تتوالى، والقلب هو القلب، لا إله إلا الله: ماذا أصاب هذا القلب، فنسأل عن السبب ونبحث عن العلاج، فإذا هو أيضًا في هذا السر.