كيف نتفق ونتكامل؟ و كيف نحلّ الالتباس؟
د. أسماء بنت عبد العزيز الحسين 23/4/1427
في ظل التيارات الفكرية المتدفقة، والحركات البشرية المتصارعة، أو الأيدلوجيات المعاصرة في واقعنا الإسلامي- كيف يمكن تأصيل قواعد ومعايير مضطردة تحكم آليات ومنطلقات الخطاب الإسلامي المعاصر، وتضمين اتساقه مع مقاصد وغايات الشريعة، وبالتالي نحلّ الالتباس؟
للإجابة عن هذا يجب أولًا أن نقف بعيدًا عن هيمنة التعصب أو سياسة أنت ضدي، بل أنت ضدي إذن أنت عدوي.
ويجب أن ننصّب الوحي حاكمًا للواقع، لا نجعله محكومًا به.
كما يجب أن نؤمن بحتمية التمسك الحقيقي بالإسلام خاليًا من أي فكر بشري متحيز لغرض أو منفعة حزبية أو طائفية، والعودة إلى الإسلام عودة كلية تشرف على الجوانب المادية، وتنظم أسس التعامل معها لكي تسبق الإنجازات الفعلية القول أو تتزامن معه.
ونؤمن أن أي فكر إسلامي يجب أن يكون قائمًا على العدل والمساواة والرحمة، على أساس أن الإسلام يكرم ولا يهين، وتكريمه لا يتمدد ليشمل غير التقوى. والولاء والبراء متصدرًا هذا الفكر، لا تعارض في ذلك مع مساواة أو عدل أو رحمة.
إن التعصب بلا منجزات حقيقية يسعى بالأمة إلى الشتات والفرقة أكثر من الوحدة والاجتماع، ويضيع المصالح الحقيقية الشاملة الكاملة في ظل هذا الدين الكامل الشامل بالأساس.
إن من لوازم فهم هذا الدين والدعوة إليه الحكمة التي تعني وضع الشيء في موضعه المناسب، ومن أهم الأهداف المتوخاة من أي عمل إسلامي: القدوة الحسنة، والنجاح في فرض عظمة هذا الدين من هذا الجانب دون ضعف أو تخلٍ أو مجاملات على حساب روح الإسلام أو دورنا تجاهه.
ولا يمكن أن نفهم الواقع فهم الدين ومبادئه وأساسياته فهمًا عاقلًا يدور في فلك النص المحكم المتقن، وعدم الدوران في فلك المتشابهات والتأويلات الشخصية أو التي تساير الأهواء، كذلك -وانطلاقًا- مما سبق فهم حقوق الآخرين، التي من أولها تصنيفهم كما صفتهم نصوص الوحيين -الكتاب والسنة، والعدل معهم، وعدم الاعتداء عليهم حتى لو كانوا كفارًا أو ملاحدة.
والعدل شيء والمودة والموالاة شيء آخر. إذن لا تعارض بينهما (لكم دينكم ولي دين) .
إن المشكلة في بعض جوانب الخطاب الإسلامي المعاصر هي في إقصار اقتصار الفكرة على القريب أو المناصر وتجاهل أخيه الآخر، بل في أحيان محاولة إلغاء شخصية ذلك الآخر وحقوقه التي كفلتها له الشريعة.
ولدى البعض فإن الفكر يقتصر على خريطة الماضي وحدوده، وتجاهل الواقع بحدوده المتسعة، أو على العكس من ذلك تكييف الدين حسب الواقع، وفي كلا الحالتين من يخالف فهو يقصد العداء ويجب التصدي له! وكل أسلحة هذين النوعين التعصب والعداء.. وقد يأتي بينهما فكر أقرب ما يكون ضحية للتحديث والتغيير الاجتماعي الذي يحدث مقصودًا أو غير مقصود، محمودًا أو غير مرضي عنه.
إن الفكر الإسلامي يجب ألاّ يكون مطاطًا تكيفه كيف تشاء، كما يجب ألاّ يكون جامدًا يقصينا إلى حيث خيوط العنكبوت، بعيدًا في الزوايا العتيقة المظلمة.
إن الفكر الإسلامي وسيلة للاتباع ليس إلاّ، فقد كفينا عناء الاجتهاد في أساسيات ثابتة ومعطيات واضحة؛ فهذه هي الحدود الحقيقية، وسمح لنا بالاجتهاد والقياس حسب الأساسيات والمعطيات، وهذا هو التطور والمواكبة المقصودة.
أما الإقصاء أو التوسع دون ثوابت، أو دون اعتراف بها، أو التعصب لأهداف دنيوية أو انتصارات شخصية فهذا هو الفكر الضال المضلل أو الجهل بعينه، وكأنما استبدال خفي للدين بجهود بشرية قاصرة، أو تجديد متجدد، أو إصلاح صالح، أو إكمال كامل، والمشرع هو الله تعالى المنزّه عن كل نقص وعيب، بل له الكمال كله، بل إن الإسلام واضح لا تكلّف ولا حيرة ولا تصادم أو عناء، وهو الدين الذي يجب أن يُتّبع. فهو دين العالمية والشمول، وأساس الأديان وخاتمها، يتّسع ولا يضيق، وحدوده واضحة لا تضيع على العاقل المتبع.