لقد استدار الزمان ؛ وإذا بالصالحين ذهبوا الأول فالأول , فَقَلَّ للزمانِ خيره , وتكدر صفوه , وتعسَّر بِرُّه.
عَنْ مِرْدَاسٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ , وَيَبْقَى حُفَالَةٌ ( 1) كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ , أَوْ التَّمْرِ لَا يُبَالِيهِمْ اللَّهُ بَالَةً. ( 2)
فكيف بمن هذا حاله ! وأنت ترى العهود مَرِجت والأمانات خفت , والدين قد رق , فأصبح الحليم سفيها , والسفيه حليما , وأصبح المهزار أنيسا , والتقيُّ عييّا .
استمع لهذا الحديث.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كَيْفَ بِكُمْ وَبِزَمَانٍ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ يُغَرْبَلُ النَّاسُ فِيهِ غَرْبَلَةً ؛ تَبْقَى حُثَالَةٌ مِنْ النَّاسِ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ ، وَاخْتَلَفُوا فَكَانُوا هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَقَالُوا: وَكَيْفَ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ , وَتَذَرُونَ مَا تُنْكِرُونَ , وَتُقْبِلُونَ عَلَى أَمْرِ خَاصَّتِكُمْ , وَتَذَرُونَ أَمْرَ عَامَّتِكُمْ . (3 )
مخالطة من حاد عن طريق الله .
إحذر مخالطةَ عُبَّادِ النفس , ومن تلبس بفسق , أو اتَّبَع هواه ؛ فإن مجاورة هؤلاء جَرَب لازم , لا يبتعد ولا يسكن عن صاحبه , فقلبه حاد عن طريق مولاه , وجوارحه كَلَّت في رضى نفسه وهواه , إن تكلم تكلم بمعصية , وإن تحرك تحرك في معصية , فهذا الصنف من الناس لا حياة فيه , فهو لا يعرف ربه , ولا يعبده بأمره ونهيه , بل هو واقف مع شهواته ولذاته , ولو كان فيها سخط ربه وغضبه , فهو لا يبالي إذا فاز بشهوته وحظه , أرضى ربه أم أسخطه . فهو متعبد لغير الله - حبا , وخوفا , ورجاء , ورضا , وسخطا , وتعظيما , وذلا , إن أحب _أحب لهواه , وإن أبغض أبغض لهواه , وإن أعطى أعطى لهواه , وإن منع منع لهواه , فهواه آ ثر عنده وأحب إليه من رضا مولاه , فالهوى إمامه والشهوة قائده , والجهل سائقه , والغفلة مركبه , فهو بالفكر في تحصيل أغراضه الدنيوية مغمور , وبسكرة الهوى وحب العاجلة مخمور , يُنَادى إلى الله وإلى الدار الآخرة من مكان بعيد , ولا يستجيب للناصح , ويتبع كل شيطان مريد , الدنيا تسخطه وترضيه والهوى يصمه عما سوى الباطل ويعميه , فهو في الدنيا كما قيل في ليلى:
عَدُوٌ لِمَنْ عَادَتْ وَسِلْمٌ لأهْلِهَا وَمَنْ قَرَّبَتْ لَيْلَى أَحَبَّ وَأَقْرَبا
فمخالطة صاحب هذا القلب سِقم , ومعاشرته سُم , ومجالسته هلاك .
قال تعالى: { وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) } (4 )
عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ , كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ , فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ , وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ , وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً , وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ , وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً . (5 )
فالحذر كل الحذر من مخالطة هؤلاء , وإياك وحجة إبليس ! أن تخالطهم من أجل الدعوة , وتوصيل الحق إليهم ! أو مصلحة تغلفها بصبغة شرعية , فإن هذا ليس من هدي السلف رضي الله عنهم , فإن الأول دعوا إلى الله عز وجل مع وقوفهم على جانب واحد , لا يحيدون عنه قيد أنملة , الكتاب والسنة ! دون تقديم أي تنازل , وإن كان في الأمر عسر وصعوبة , إلا أنهم سَحَبُوا الناس إليهم , وأوقفوهم معهم في معسكرهم على الكتاب والسنة , بخلاف من كَثُر من دعاةِ هذا الزمان , يدخلون إلى معسكر العصاة , ويهتدون بهديهم , ويتزينون بزيهم , ويتلبسون بخصالهم وفعالهم , بحجة دعوتهم إليهم ! فحتى لو نجحت هذه الدعوة فإن نقطة الالتقاءِ بعيدة , وخاصة إذا كان الداعي فقير العلم , حديث العهد بالالتزام ! وذلك لسهولة رجوعه إلى ما كان عليه من قبل , بخلاف من توطَّن المعصية , فإن انتقاله عنها عسير , ومفارقته لما ألف أصعب , فيظل المنتقل إليه , الطالب دعوته , على الحالة التي هو عليها من المخالطة والألف لما هو عليه , حتى يكونا سواءً في التفريط والمعصية , إلا من رحم الله .
وربما يقول قائل لا غنى لي عن الناس , ولا غنى للناس عني , وربما يكون هذا صحيحًا إذا عرف العبد الداء و الدواء , وفرق بين المنحة من المحنة , والعطية من الرزية , والحمل من الذئب , والظباء من الثعالب.
الداء والدواء .
ومخالطة الناس قد تكون داءً , وقد تكون دواءً , ويجب على العبد أن يفرق بين الداء والدواء.