فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فالدواء كمخالطة الناس في الجمع والجماعات , ومجالس العلم ومالا بد منه , والمخالطة التي هي داء مما لا يعود على العبد بمنفعةٍ إلا التمتع بضياع الوقت , وقضائه بما لا يعود على العبد من نفع . والمخالطة التي هي كالدواء لا يؤخذ منها إلا بقدر محدود وعند الضرورة . فإنه إن زاد عن حده تحول إلى داء .
فإن كثرة المخالطة بلية عظيمة , ورزية جسيمة , فإن العبد يعيش في ستر الله ؛ فكم من ذنوب هي لك أخفاها , وكم من عيوب لك عن العباد قد غطاها , فإذا ما كثرت مخالطتك , وسهل الانبساط بينك وبين العباد , ظهرت هذه الذنوب وعُلمت هذه العيوب , فإن جاراك الناس , واستأنسوا بك ؛ فعند الفتن والشدائد لا يظهرون إلا العيب , فإذا هم قد ستروا النعمة , وأظهروا النقمة.
فالأخذ بالاحتياط وطلب السلامة أولى , وكلما قلت المخالطة قلت عنك مواد الشِّكَاية , فلن تُسْتبطأ في حقٍ , كعيادة مريضٍ , أو شهود جنازةٍ , أو حضور عُرسٍ , أو وليمةٍ ونحوها.
فالناس إذا فقدوك عذروك , وإذا وجدوك عَذَلُوك واستقصروك ؛ وقد يكون لك بعض الأعذار لا يقبلها منك هؤلاء.
فكلما ابتعدت عن المخالطةِ كنت في أمانٍ من مساويهم , وعن محاوراتهم , إلا ما يكفي فضل مؤنة ضرورية لهم أو لك .
فربما رفعوا لك قولا , أو فعلا , حال غفلةٍ ، أو عدم انتباه فشنَّعوا عليك ؛ أو سمعوا منك كلاما تأوَّلُوه عليك لم تدركه عقولهم.
هذا إن جاريتهم ! فكيف لو كنت قوّامًا , وقّافًا بالحق ! فإذا هم قد بغضوك , وهجروك , وكنت مضغة على ألسنتهم .
فكم من قلوب قد امتلأت من دخان أنفاس بني آدم حتى اسودت , وأوجب لها تشتتا وتفرقا وهمًَّا وغمًا, وكم من مجالسٍ أضاعت مصلحةً وأوقعت مفسدةً , وكم جلبت الخُلطة من نقمة , ودفعت من نعمة , وأنزلت من محنة , وعطلت من مِنْحةٍ , وأوصلت من رزية وأوقعت في بلية ! وهل آفة الناس إلا الناس.
لقد أوشك أبوطالب أن ينطق بالإسلام لولا جلساء السوء .
عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ , وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي طَالِبٍ: يَا عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ , وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ) الْآيَةَ. (6 )
وقد أحسن من قال:
يا مَنْ يُريدُ بِزَعْمِهِ iiالإِخْمَالا
إِنْ كان حَقًّا فاسْتَعِدَّ iiخِصالا
تَرْكُ التَّذاكُرِ والمَجَالِسِ iiكُلِّها
واجْعَلْ خُروجَكَ لِلصلاةِ خَيَالا
بَلْ كُنْ بِهَا حَيًّا كَأَنَّكَ مَيِّتٌ
لا يَرْتَجي مِنْهُ القَريبُ iiوِصَالا
وَأْنَسْ بِرَبِّكَ واعْلَمَنَّ iiبِأَنَّهُ
عَوْنُ المُريدِ يُسَدِّدُ iiالأخْلالا
يُعْطي وَيُثْني بِالْعَطَاءِ iiتَفَضُّلًا
بَعْدَ الثَّوابِ وَيَبْسُطُ iiالآمَالا
مَنْ ذَا يُرِيدُ مَعَ الوَدودِ iiمُؤْانِسا
مَنْ ذَا يُريدُ لِغَيْره iiأَشْغالا
مَنْ ذَا يَلَذُّ بِغَيْرِ ذِكْرِ مَليكِهِ
مَنْ ذَا يُريدُ لِغَيْرِهِ iiأَعْمَالا
لا تَقْنَعَنَّ مِنَ الحياةِ iiبِغَيْره
وابذُل قِوَاك وقَطِّعِ iiالأَوْصالا
فَلَئِنْ بَلَغْتَ لأَنْتَ أَكْرَمُ مَنْ iiبها
وَلَئِنْ هَلَكْتَ فَما ظُلِمْتَ iiخِلَالا
مَنْ ذَاقَ كَأْسَ الخَوْفِ ضَاقَ بِذَرْعِهِ
حتى يَنَالَ مُرَادَه إِنْ نَالا
حَاشَا مُؤَمِّل سَيِّدي مِنْ iiخَيْبَةٍ
جَلَّ الجَوادُ بِفِعْلِهِ iiوَتَعالى
حظك من المخالطة:-
وهذا لا يمنع من أخذ حظ النفس من مجالسة الصالحين , ومن تستدعي الضرورة من مجالستهم ,كرحم يراد صلته , أو منفعة لا تتم إلا بالمخالطة , مع التحرز من ضياع الوقت وذهابه سدى .
وقد أهدى ابن الجوزي رحمه الله نصيحة لمن هذا حاله فقال رحمه الله (7 ) :
أعوذ بالله من صُحْبَةِ البطّالين , لقد رأيت خلقا كثيرًا يجرون معي فيما اعتاده الناس من كثرة الزيارة , ويسمون ذلك التردد خدمة , ويطلبون الجلوس ويجرون فيه أحاديث الناس ومالا يعني , وما يتخلله من غِيبة.