فهرس الكتاب

الصفحة 17480 من 27345

د. مسفر بن علي القحطاني * 1/7/1425

ازدهرت صناعة المشاريع الإصلاحيّة في أغلب الأقطار الإسلاميّة نتيجة للأزَمَات الدّاخليّة المتفاوتة التي تمرّ بها مجتمعاتهم , وشجّع نموّ هذه الصناعة ما يتوقّع استيراده من مشاريع إصلاحيّة قادمة بقوّة العولمة ونفوذها السياسيّ؛ مما سيُغرق المجتمع بالمنتجات الأجنبيّة ويُضعف كل ما هو محليّ , ولو كان العرض كثيرًا فالطلب قليل، والوهج المستورد سيُعمي عيون الكثير من أهل الحلّ والقرار ..

إنّ قبول الحلول المستوردة بخيرها وشرها مسخ لهُوِيّة الوطن وخطر على مستقبله , والمتأمّل في تجارِب الأمم والحضارات يدرك عِظم الأمر وصعوبته على ثقافة وفكر المجتمع ؛ ولعلّ من أولئك القلائل الذين أبصروا هذا الخطر المفكّر الإسلاميّ مالك بن نبي إذ يقول:"لا يجوز لأحد أنْ يضع الحلول والمناهج مغفلًا مكان أمّته ومركزها ، بل يجب عليه أنْ تنسجم أفكاره وعواطفه وأقواله وخطواته مع ما تقتضيه المرحلة التي فيها أمّته , أما أنْ يستورد حلولًا من الشّرق أو الغرب فإنّ في ذلك تضييعًا للجهد ومضاعفة للدّاء , إذْ كلّ تقليد في هذا الميدان جهل وانتحار .."

ولهذا كان من المهم في ظلّ هذه الأزَمَات إحياء الوعي الوطنيّ وتعميقه في النفوس؛ فهو أوّل وأهمّ دروع التّحصين العلاجيّة والوقائيّة للفرد والأمّة .. ولعلّنا في هذه العُجالة أنْ نثير الاهتمام ببعض المقوّمات التي تعين على تعميق الوعي الوطنيّ في المجتمع ..منها:

1-ضرورة ترسيخ الهدف الأعظم للإنسان وتبيين حقيقة الوجود في الحياة بشكل قويّ وواضح في قلوب الناس وعقولهم لتسري آثاره في واقعهم وحياتهم . والهدف الحقيقيّ من الوجود هو عبادة الله عز وجل، كما أخبر الله تعالى بقوله: )الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) [الملك:2]

وقال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56)

فجعل الله كلّ أنشطة الحياة وسيلة لكسب رضوان الله عز وجل ,والنجاح في هذا الابتلاء العظيم، هو الذي يرسّخ جذور التمدّن في عقول الناس وقلوبهم وسلوكهم ويدفعهم إلى العطاء المتواصل، ويزيد من شعورهم نحو الوصول إلى درجة الشهود الحضاريّ على الأمم والمجتمعات (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ...) [البقرة: من الآية143]

والإنسان في كثير من بقاع الأرض يعيش في معاناة واضطراب؛ فالمعدّات الحضاريّة باتت كاملة لكنّ أهداف هذه الحركة المحمومة مشوّشة وغامضة ولا تلامس ما جُبِل عليه الإنسان بفطرته الصّحيحة. والمتأمّل في حال المجتمع العربيّ قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ينظر بوضوح عظم التخلف والانحطاط في المجالات الماديّة والحضاريّة، ولذلك انعدم ذكرهم في مسيرة التاريخ البشريّ إلا بعد بعثته صلى الله عليه وسلم فكانت إيذانًا بانبعاث حضاريّ شامل، ومولد أمّة من أرقى الأمم وأقواها حضورًا في العالم كله..فالناس هم الناس والدّيار هي الدّيار ولكن السبب العظيم في هذا التحوّل العجيب هو ذلك الوحي الإلهيّ الذي أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم )وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا...) [الشورى: من الآية52] لقد كان ذلك الوحي - كما جاء في الآية- الروح التي بعثت ذلك الجسد الخاوي من الحركة والحياة والنور الذي أضاء الظلمات وبددّ حيرة الجاهليّة.

ويصور لنا أبو سعيد الخدريّ رضي الله عنه ذلك التغيّر العجيب في القوم ما أذهل الذئب وأثار عجبه . يقول رضي الله عنه"عدا الذئب على شاة فأخذها فطلبه الراعي فانتزعها منه، فأقعى الذئب على ذنبه. فقال: ألا تتقي الله ؟ تنزع مني رزقًا ساقه الله إليّ ؟ فقال الرّاعي: يا عجبي ذئب يكلمني كلام الإنس! فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك ؟ محمد صلى الله عليه وسلم بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق...)"

ولهذا يقول ابن خلدون في مقدمته"فصل في أنّ العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينيّة من نبوّة، أو وِلاية، أو أثر عظيم من الدّين على الجملة" (1) .

فالوعي الحضاريّ والتقدم المدنيّ لا يمكن أنْ يحقّق نتائجه ويؤتي ثماره إذا كان منعزلًا عن السّمو الروحيّ والأيمان القلبيّ، إذًا هو الفاعل الحقيقيّ للمدينة الراقية والمحرّك الأساسيّ للأفراد نحو العمل والإنتاج والإنجاز والإتقان المبدع , وهو المنظِّم لعلاقات الأفراد، والموضِّح لأدوارهم وواجباتهم بمنتهى العدل والإنصاف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت