فهرس الكتاب

الصفحة 17481 من 27345

يقول مالك بن نبي:"الحضارة لا تنبعث -كما هو ملاحظ- إلا بالعقيدة الدينيّة , وينبغي أنْ نبحث في حضارة من الحضارات عن أصلها الديني الذي بعثها , ولعلّه ليس من الغلو في شيء أنْ يجد التأريخ في البوذيّة بذور الحضارة البوذيّة وفي البرهميّة نواة الحضارة البرهميّة. فالحضارة لا تظهر في أمّة من الأمم إلا في صورة وحي يهبط من السماء , يكون للناس شرعة ومنهاجًا, أو هي -على الأقل- تقوم أسسها في توجيه الناس نحو معبود غيبيّ بالمعنى العام , فكأنّما قدّر للإنسان ألا تشرق عليه شمس الحضارة إلا حيث يمتدّ نظره إلى ما وراء حياته الأرضية، أو بعيدًا عن حقبته , إذْ حينما يكتشف حقيقة حياته الكاملة , يكتشف معها أسمى معاني الأشياء التي تهيمن على عبقريته وتتفاعل معها ."

ومن هنا يستطيع المؤمن إدراك الحقيقة الساطعة التي يفسرها التأريخ في الفقرة التي وردت في أحد الكتب المنزّلة القديمة.

2-أهمية تعميق الإحساس بروح الانتماء لهذا الوطن الذي كرّمه الله عز وجل بأنْ جعله مهبط الرسالة الخاتمة، ومئرز الإسلام، وقبلة المسلمين، ومشعل هدايةٍ ونورٍ للناس أجمعين. فالمحافظة على أمنه واستقراره ورقيّه وتقدمه لا يخص أفراد الوطن فحسب بل المنفعة والفائدة تتعدّى ذلك إلى سائر بلاد المسلمين , ووجوبه الشرعيّ لا يقل عن وجوبه الوطنيّ لمن تأمّل.

ولا يتعمّق هذا الإحساس للانتماء في نفوس الأفراد إلا بقدر الثّقة المتبادلة والمنفعة المتحقّقة بينهم وبين مؤسّسات الدولة المختلفة ( السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة وغيرها) وعندما يحس الفرد بالدونيّة والإهانة والاستغفال ويحرم حقوقه المشروعة ينعكس ذلك على أدائه لواجباته المناطة به، وينقلب تفكيره واهتمامه نحو الفرديّة المطلقة التي تخدم مصالحة الخاصة، ولو أضرّت بالآخرين، وأنانيّة مفرطة يأنف بها عن التضحية لوطنه أو التعاون مع الآخرين، ولو زدنا من تكريس أنواع العقوبة لهم لما زادهم إلا نفورًا واستكبارًا أو بعدًا عن ظِلال الوطن؛ فروح الانتماء للوطن تأتي تلقائيًّا، وتدخل نفسه من غير استئذان نتيجة شعور الفرد بتلمّس المجتمع حاجاته، ومعالجة مشكلاته، والوقوف معه في أزَمَاته.

3-إنّ وجود الأنظمة والقوانين التي تحكم حياة الإفراد، وتنظّم المجتمع شرط في تقدّم المجتمع ورقيّه؛ لأنّها تكون تجسيدًا لمبادئ المجتمع في الحقوق والواجبات . ولذلك تجده في المجتمعات المتمدّنة يظلّ محترمًا من الكلّ. كما كان عليه العهد في صدر الإسلام.

أمّا في المجتمعات المتخلّفة فإنّ القانون يكون أداة لتأمين مصالح الجهات النافذة ولذلك فإنّه لا يلقى التقدير من أحد، و لا يشايعه إلا المستفيدون منه، ولهذا يصبح تطبيق القانون مظهرًا من مظاهر الانهيار الاجتماعيّ وسببًا من أسباب الهلاك؛ لأنه يصبح أداة ظلم وإفساد. وإلى هذا أشار صلى الله عليه وسلم محذرًا أمّته بقوله:"إنّما أهلك الذين كانوا قبلكم أنّهم كانوا إذا سرق فيهم القويّ تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ"

ومعظم مجتمعات الأرض محكومة اليوم بقوانين ودساتير، ولدى حكوماتها نظام قضائيّ عتيد.. لكنّ المجتمعات التي ليس لها من المدنيّة سوى القشور، مصابة بداء ( الازدواج القانونيّ) حيث إنّ لديها بجوار كل قانون مكتوب قانونًا غير مكتوب .. وهذا الأخير هو الوجه، والقانون المكتوب هو القناع، والحق دائمًا مع من يدفع أكثر أو يُخيف أكثر. (2)

إنّ التنظيم القانونيّ والرّدع والجزاء عليه يعتبر من الضّرورات لحماية المجتمع من تمرّد أو تهاون بعض أفراده ؛ لكنّ العقوبات في قوانين التحضّر لا تنشئ مجتمعًا أبدًا ولكنّها قد تحميه , والناظر في آيات الحدود والعقوبات يجد أنّها لا تشكّل خمس آيات القرآن الكريم , أما الباقي فهو يستهدف بناء الإنسان من الداخل بتنمية وعيه بمراقبة ذاته وتقويم سلوكه .

4-المُناخ الذي يُصنع فيه الوعي الوطنيّ يتطلّب استعدادًا حقيقيًّا من كل الفئات العرقيّة، والطبقات الاجتماعيّة، وأصحاب الأفكار والثّقافات للتنازل عن جزء من خصوصيّاتهم الفكريّة والاجتماعيّة ؛لصالح الإطار الوطنيّ العام الذي يُراد للجميع الاندماج فيه . وهذا الإحساس بالآخرين والتّضحية من أجلهم أهمّ درجات الرّقيّ في الحياة المدنيّة ..والمتأمّل في الأثر الإسلاميّ الذي مرّ على الجزيرة العربيّة المتصارعة على النفوذ والمتقاتلة على أتفه الأسباب ليجد أنّ الإسلام جمع شتاتهم ودمجهم على اختلافهم وتباينهم في فترة يسيرة وفي هُوِيّة حضارِيّة واحدة ينتمي لها طيف واسع من البشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت