ولا بأس أنْ نتعلم من الحشرات شيئًا من التّضحية والتفاني من أجل الآخرين ؛ فمثلًا وظيفة الملكة في مجتمع النّحل وضع البيض ومصدر غذائها هو ما تفرزه لها النًّحَلات العاملات من غدد خاصّة في رأسها ! وللجماعة الواحدة ملكة واحدة ، فهي لا تشكو من مشكلة انقسام القيادات !.. أمّا النّحَلات العاملات فهن عُمُد الخليّة ، وهن يقمن بمعظم العمل، فعلى الرّغم من كونهنّ (عاقرات) إلا أنّهنّ يتولّين تربية الصغار وإطعامهم، وتنظيف المستعمرة وتهويتها.. إنّ الجهود الهائلة التي يبذلنها تجعل أجسامهنّ لا تقوى على الاستمرار في الحياة، ولذا فإنّ متوسّط عمر الواحدة منهن قرابة ستة أسابيع فقط، والذّكور مع أنّها تموت بعد عمليّة التلقيح مباشرة ، إلا أنّها تقدم عليه، وكأنّها تفدي النوع بحياتها.
إنّ شعار النّحل المرفوع دائمًا: لا قيمة لحياتي عند تعرض سلامة الجماعة للخطر وهذا هو شعار الشّهداء في أمّة الإسلام.
من أهمّ مقومات الوعي الوطنيّ الحضاريّ تفعيل دور المؤسّسات التربويّة والتعليميّة والإعلاميّة في رفع مستوى الوعي لدى الأفراد والمجتمع.
إنّ التّخطيط الهادف الواعي المتكامل لصياغة شخصيّة الفرد وبناء الوعي الحضاريّ لديه هو ما يجب أنْ تقوم به مؤسّساتنا التعليميّة والتربويّة في كل مراحلها التعليميّة؛ فالمدارس والجامعات والأسر والمناهج الدراسيّة والمعلمون والخطباء وأئمة المساجد .. كلّ أولئك يجب أنْ يسهموا في هذا المشروع العظيم. ويتكاتفوا في تحقيقه تحت شعار: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ... ) [التوبة: من الآية105] كما أنّ الإعلام يعتبر في العصر الحاضر من أهم وأخطر الوسائل في تقدّم الأمم أو تخلّفها، وما لم يحمل مبادئ وقيمًا حضارِيّة رائدة يترفع بها عن الابتذال والإثارة ومحاكاة الغير بعمى وقلّة بصيرة وإلا فإنّه وسيلة هدم سريع مهما كان البناء عتيدًا والبناة كثُرًا.
أكتفي بهذا الإشارات السريعة والعرض الموجز للمقومات الحضاريّة لتعميق الوعي الوطنيّ لدى الأفراد ومؤسّسات المجتمع، و هي أكثر من أنْ تُغَطّى في هذه العجالة .. وأعتقد أنّ الأهمّ من ذلك يكمن في قناعة الفرد بوجوب المبادرة للعمل المنتج والانسياب في خطط المجتمع التنمويّة . ولعلّ ما يثور في الذّهن والنفس من تساؤلات وإشكاليّات هي في حدّ ذاتها وسيلة لإيقاظ الوعي لعلّها أنْ ترشد إلى البناء، وتشعل قناديل النهضة والتقدّم في أنفسنا ومجتمعنا.* رئيس قسم الدّراسات الإسلاميّة والعربيّة بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن
1ـ مقدمة ابن خلدون 1/160
2-انظر: تجديد الوعي ص 128