علاج الهموم
يتناول الدرس بيان الوسائل الكفيلة بإزالة الهموم التي لا يخلو منها أحد، وبيان ماورد في الكتاب والسنة من آداب يتعامل بها المسلم إذا اعتراه الهم، والأدعية والأذكار التي تقال عند وجود الهم .
الحمد لله؛ رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين ، و أشهد أن لا إله إلا هو ، رب الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأرضين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، و أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه أجمعين، وعلى من سار على هديه، واقتفى أثره إلى يوم الدين، وبعد ،،،
اشك أن للعقيدة الصحيحة تأثيرا بالغا في دفع الهموم و علاجها ، و على العكس ترى كثيرًا من الكفار ، وكذلك ضعفاء الإيمان يُصابون بالانهيار ، أو يُقدمون على الانتحار ؛ للتخلص من الكآبة والحبوط واليأس إذا ما وقعوا في ورطة، أو أصابتهم مصيبة . وكم ملئت المستشفيات من مرضى الانهيارات العصبية، والصدمات النفسية !! وكم أثرت هذه الأمور على كثير من الأقوياء ، فضلًا عن الضعفاء !! وكم أدت إلى العجز التام أو فقدان العقل والجنون !! أما من اهتدى بهدي الإسلام فإنه يجد العلاج فيما أتى من لدن العليم الخبير الذي خلق الخلق ، وهو أعلم بما يصلحهم: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ 14 ] سورة الملك .
فهلم إلى استعراض شيء من أنواع العلاجات التي جاءت في هذه الشريعة:
أولًا: التسلّح بالإيمان المقرون بالعمل الصالح
قال الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [ 97 ] سورة النحل .
وسبب ذلك واضح؛ فإن المؤمنين بالله _ الإيمان الصحيح , المثمر للعمل الصالح , و المصلح للقلوب ، والأخلاق والدنيا والآخرة معهم أصول وأسس يتعاملون بها مع كلّ ما يرد عليهم من أنواع المسرات والأحزان .
فيتلقون النّعم والمسارّ بقبول لها، وشكر عليها، ويستعملونها فيما ينفع، فإذا فعلوا ذلك أحسوا ببهجتها ، وطمعوا في بقائها ، وبركتها ، ورجاء ثواب شكرها ... وغير ذلك من الأمور العظيمة التي تفوق بخيراتها ، وبركاتها تلك المسرات.
ويتلقون المكاره والمضار والهم والغم بالمقاومة لِما يمكنهم مقاومته , وتخفيف ما يمكنهم تخفيفه , والصبر الجميل لما ليس لهم عنه بد , فيحصّلون منافع كثيرة من جراء حصول المكاره، ومن ذلك: المقاومات النافعة ... والتجارب المفيدة ... وقوة النفس ... وأيضا الصبر ... واحتساب الأجر والثواب ... وغير ذلك من الفوائد العظيمة، التي تضمحل معها المكاره، وتحل محلها المسار، والآمال الطيبة، والطمع في فضل الله، وثوابه، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: [ عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ] رواه مسلم، وأحمد، والدارمي , وهذا النظر الإيجابي إلى الابتلاء ، مما يدفع الهم ، و يعين على الصبر .
ثانيًا: النظر فيما يحصل للمسلم من تكفير الذنوب، وتمحيص القلب، ورفع الدرجة ؛ إذا أصابته غموم الدنيا وهمومها
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمٍّ، وَلا حُزْنٍ ، وَلا أَذًى، وَلا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ ] وفي رواية: [ مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ، وَلا نَصَبٍ، وَلا سَقَمٍ، وَلا حَزَنٍ حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ إِلا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ ] رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، وأحمد .
فليعلم المهموم ... أن ما يصيبه من الأذى النفسي؛ نتيجة للهمّ لا يذهب سدى، بل هو مفيد في تكثير حسناته، وتكفير سيئاته ...
ليعلم ... أنه لولا المصائب، لوردنا يوم القيامة مفاليس _كما ذكر بعض السلف _ ولذلك كان أحدهم: يفرح بالبلاء كما يفرح أحدنا بالرخاء .