الشيخ/محمد حمودة ...
الحمد لله معز الإسلام بنصره ومذل الشرك بقهره ومزيد النعم بشكره ومستدرج الكافرين بمكره، الذي قدر الأيام دولا بعدله فجعل العاقبة للمتقين بفضله. والصلاة والسلام على من كان يظلله الغمام وتسلم عليه الأحجار والأشجار، أما بعد:
ففي زمن الفتن التي لحقت بالأمة الإسلامية و حاولت أن تبعدها عن منهج ربها، وأن تطويها تحت جناح الذل والهيمنة الفكرية والاقتصادية والحربية، وركز أعداء الأمة على محاربة الدعاة وبأشد الطرق، فأخدوهم بالليونة تارة و بالقوة تارة أخرى وهذا ما تصوره الآيات، التي نحاول أن نقف على فهم لها من خلال كتاب الله. ثم لنطلع من خلالها على وسائل الثبات على الحق، لتعصمنا من الركون إلى الأعداء و بالتالي تعصمنا من سخط الله: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِين ? [ النساء: 144 ] .
فنسأل الله لك أخي الحبيب أن تخرج من هذا البحث بأجمل الثمرات فيه .
البحث حول تفسير لقوله تعالى: ? وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتّخَذُوكَ خَلِيلاً ?73 ? وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ?74 ? إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً ? [الإسراء:74-75] ، ? وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونكَ ?، ? وَإِذاً لاتَخَذُوكَ خَلِيلا ?، ? وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ ?، ? إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ?
بداية يجب التنبيه على أكثر من نقطة:
أن أسباب النزول لهذه الآية قد كثرت وقد اخترنا أقواها سنداً ومتناً:
قال السيوطي:"أخرج ابن مروديه وابن أبي حاتم من طريق إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة عن ابن عباس قال: خرج أمية بن خلف وأبو جهل بن هشام ورجال من قريش، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد تعالى فاستلم آلهتنا وندخل معك في دينك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه فراق قومه ويحب إسلامهم فرقّ لهم، فأنزل الله:"
? وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَخَذُوكَ خَلِيلاً ?73 ? وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ?74 ? إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً ? [الإسراء:73-75] قلت وهذا أصح ما ورد في سبب نزولها وهو إسناد جيد وله شاهد" (1) ."
2-أن النبي صلى الله عليه وسلم كاد أن يستدرك لمطاوعة قومه بسبب حرصه على إسلامهم فأرادوا مداهنته وهو لا يعلم أنهم يمكرون به .
قال ابن الجوزي:"قال ابن عباس: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوماً، ولكنه تخويف لأمته، لئلا يركن أحد من المؤمنين إلى أحد من المشركين في شيء من أحكام الله وشرائعه" (2) .
"قال القاضي: معنى قوله تعالى: ? وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ ? أنك كنت على صدد الركون إليهم لقوة خداعهم وشدة احتيالهم، لكن أدركتك عصمتنا فمنعتك من أن تتقرب من الركون فضلاً عن أن تركن إليهم، وهو صريح في أنه عليه الصلاة والسلام مساهم بإجابتهم مع قوة الداعي إليها، ودليل على أن العصمة بتوفيق الله وحفظه".
1-? وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ ?
لغة:"يفتنوك"لغة:"فتنه يَفْتِنُه": أوقعه في الفتنه". (3) "
وقال ابن المنظور:"والفتنة: الضلال والإثم" (4) .
اصطلاحاً:
ذكر القرطبي لها معنيين:
1-" ( يزيلونك ) يقال: فتنت الرجل عن رأيه إذا أزلته عما كان عليه، قاله الهروي" (5) .
2-وقيل يصرفونك ، والمعنى واحد" (6) ."
فحاول المشركون أن يصرفوا أو يزيلوا النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم القرآن وأوامره، وأرادوا أن يجعلوه مخالفاً لحكم القرآن (5) ، وينتج عن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم سيفترى كذباً.
قال الماوردي:"يحتمل وجهين:"
أحدهما: لتدعي علينا غير وحينا.
الثاني: لتعتدي في أوامرنا" (7) ."
لأنه إذا حكم بغير ما أنزل الله اضطر لأن يختلق حكماً لأصحابه ينسبه إلى الله تعالى ليجعل لما فعله وجهاً شرعياً، أولأنه سيخالف حكم الله في كتابه.
وهذا ما فُعل في هذا العصر، فقد سُوِم على كرامتنا وإسلامنا فقبلنا ففتنا عما جاء به قرآننا، فاضُطُّر أن يُبرر للجماهير أن ما فُعل يستند على رؤية شرعية.
لقد الله أراد بهذا الحدث أن يعلم أمة الحبيب صلى الله عليه وسلم عدم المساومة على الحق لأن أساليب العدو متنوعة تارة بالترغيب وتارة بالترهيب وتارة بالمساومة.
لذلك بوب د/ محمد أمحزون في كتابه باباً بعنوان"الثبات على المبدأ ورفض المساومة عليه".