فهرس الكتاب

الصفحة 12225 من 27345

د. صفاء الضوي العدوي 16/8/1426

لا تزال أشجارنا - بحمد الله - تثمر، وتمدّنا بأطيب الثمار، ولا تزال بساتيننا حافلة بالأشجار الطيبة، كما لا تزال أرضنا الطيبة وفيرة بالبساتين .

روى ابن ماجة من حديث أبي عنبة الخولاني - وكان قد صلى القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:"لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم في طاعته"رواه ابن ماجه في سننه - المقدمة رقم الحديث (8) وحسّنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه )والمعنى أن قدر الله ماض في إبقاء عصابة مؤمنة مهتدية تنافح عن الدين وتظهر أحكامه، وتشيع هديه، وتصبر على ما يصيبها بسبب تمسكها بالحق، ودعوتها إلى الخير .

وما الصحوة الإسلامية الممتدة في أرجاء العالم اليوم إلا صورة واضحة لهذا الغرس الرباني الطيب، وما منافحتهم عن الدين، وثباتهم على الحق رغم ما يتعرضون له من ظلم واضطهاد على أيدي الطغاة إلا نفاذ لقدر الله تعالى وإرادته في أن يهدي بعض عباده، ويوفقهم للخير، ويستعملهم في طاعته، نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم .

تفكرت في هذا الحديث، وأرخيت العنان للأمل الذي يشعّ منه لينساب إلى أعماقي، وتذكرت حديثًا دار قريبًا بيني وبين صديق لي صالح عاقل، أحبه في الله، وألقاه على فترات متباعدة، وكان حديثنا حول الأولاد وهموم تربيتهم، وما يختلج في النفس من قلق على مستقبل الدعوة في أيديهم بسبب ما نراه من ضعف هممهم وقلة خبرتهم، وصغر اهتماماتهم، ونزوعهم الكبير للهو واللعب، وما يحتاجون إليه منا من جهد كبير لمتابعة التعهّد لما يحفظونه من القرآن الكريم، والحرص على الاستفادة التامة من الوقت، وما ينبغي أن يكونوا عليه من الديانة والتعفف والعقل والطموح، وما نؤمله فيهم من النبوغ، وما نذهب إليه مما هو أبعد من ذلك من استيفاء صفات القيادة إلى آخر ما في قائمة الآمال والمطامح الكبيرة التي تنطوي عليها نفس الوالد الداعية العطوف تجاه ولده .

قال صاحبي: يسيطر علينا -أحيانًا- طيف من الإحباط حين نوازن بين ما كان عليه شباب المسلمين في العصور الأولى للأمة المسلمة، وما عليه أبناؤنا نحن الدعاة فضلًا عن غيرهم من أبناء المسلمين، إننا نظن أننا قدمنا لأبنائنا كل شيء نقدر عليه، فولدي الذي عمره خمسة عشر عامًا قد أتم حفظ القرآن قبل سنتين، وليس في البيت تلفاز يفسد علينا ما نبذله معهم من تربية، وهو متفوق في دراسته، ولديه قدْر لا بأس به من الثقافة والفضائل، بيد أني أشفق دائمًا على مستقبل العمل الإسلامي، وهو يُسلّم لأبنائنا، ولمّا يتوفر لهم القدر الكافي من التربية التي تناسب ما ينتظرهم من تحديات كبيرة ومهامّ جِسام .

وأضاف: إنني أقدر أثر البيئة التي ينشأ فيها أبناؤنا، وأدرك التباين الهائل بين البيئة الإسلامية الصافية التي كانت، وبيئاتنا الملوثة بكل أنواع السموم التي تضر بالأخلاق والعقل والصحة النفسية للطفل، بل بالفطرة ذاتها .

على أنه ينبغي ألا نستسلم لدواعي الإحباط، بل علينا أن نغذي الأمل في صلاحهم بثقتنا في الله الذي لا يضيع عنده جهد المخلصين من عباده، وأن نتفرّس في مخايل الأبناء أمارات الصلاح والعقل، فإننا سنجد - بفضل الله تعالى - الكثير من الخير، وستنقشع عن نفوسنا هموم المخاوف، وتشرق بعدها الآمال العراض، ونحس بأفراح الروح .

ثم ابتسم صاحبي، وحكى لي قصة ذات دلالة تربوية حصلت له مع ولده، قال: سبقني ولدي بالخروج من المسجد، وانتظرني عند الباب، وحين خرجت طلب مني بصوت خفيض شيئًا من"الفلوس"، فأعطيته فمال بها ووضعها أمام امرأة أو فتاة كانت تجلس أمام المسجد متلففة في ثيابها، ثم مشينا عائدين إلى البيت، وعنّ لي أن أسأله عن سبب اهتمامه بإعطاء تلك الفتاة شيئًا من المال، فقال: رأيتها وأنا آت إلى المسجد، وقد وقفت أمام المقهى، وسألت ثلاثة من الشبان كانوا يدخنون"الشيشة"، فأعطاها كل واحد منهم شيئًا، ثم إنها جاءت وجلست أمام المسجد، وحين خرجتُ من المسجد في أول الخارجين لم أجد أحدًا من المصلين أعطاها شيئًا، فقدّرت أن يجول في نفسها أن أهل المقهى أعطوني، والمصلين أهملوني، ولم يعطني أحد منهم شيئًا، قال ولدي: فخشيت عليها من هذا الخاطر، فبادرت بإعطائها لأقطع على الشيطان كيده بها، هذا وجه، والآخر أني غِرت على أهل الصلاة أن يتقاصروا في الفضائل عن أهل الغفلة، ولو في نفس تلك المسكينة المجهولة .

قال صاحبي: لا أدري كيف أصف لك سعادتي بما سمعته من ولدي، لقد بدّد من نفسي الكثير من تلك المخاوف، لقد أينعت ثمار التربية، وهذه من بواكيرها، وشعرت أن المستقبل سيكون بإذن الله أفضل، وأيقنت أن الله لا يضيع أجر المحسنين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت