يتناول الدرس انفتاح الخطاب الدعوي على الناس كافة، دون انغلاق بفئة، أو انحصار بنخبة، فالدعوة في طبيعتها للكافة، لا تقتصر على الصفوة من أهل التدين، ثم عرض للفئات التي يتعامل معها الدعاة وطبيعة العلاقة بينهم وبعض المفاهيم الخاطئة، ثم تناول طرق تبليغ الدعوة ووسائلها .
ويُراد بها: انفتاح الخطاب الدعوي على الناس كافة، دون انغلاق بفئة، أو انحصار بنخبة .. فالدعوة في طبيعتها للكافة، لا تقتصر على الصفوة من أهل التدين. وقد انطلق خطاب الله الداعي إليه، منفتحًا على جمهور الناس من أول الأمر قائلًا لهم: يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [21] 'سورة البقرة'.
والرسول الكريم إمام الدعاة صلوات الله وسلامه عليه توجه بخطابه الدعوي للناس كافة: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [28] 'سورة سبأ'.
ومن كُلف بالتبليغ والتبيين، أمر أن ينطلق ببيانه للحق، إلى الناس، كما قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ [187] 'سورة آل عمران'. إذًا لابد أن يرتكز خطاب الدعاة على الانفتاحية، ينفتح على الناس جميعًا، ولا ينغلق على فئة من البشر.
أما دعوة بعضهم إلى وجوب الاقتصار على صفوة راسخة في العلم والإيمان، بتخصيص الدعوة فيها، دون جماهير الناس! فهي دعوة ضارة؛ لأنها ستعكف على علاج من صح وسلم، بإهمال الذي يعاين الألم.. فالانفتاحية تمثّل ـ والله أعلم ـ الفكرة الصائبة، في الدعوة إلى الله، التي سلكها الرسل، وهي التي تعكس بحق الواقع الإسلامي.
الدعاة وأهل المعصية: الدعاة لا يتجاهل خطابهم الدعوي أحدًا من أهل المعاصي والذنوب، بل إن الدعوة لتتجاوز المذنبين والعاصين من أفراد الأمة المؤمنين، إلى الكفار والملحدين.
ومن الناس من يطالب اليوم أن لا نعامل، أو نعاشر، أو ندعو إلا أهل الصفوة من أهل التدين، وينادي بعضهم أن نهجر أهل المعصية من المؤمنين في كل الأحوال.. وهذا خطأ كبير؛ لأن الصواب في أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر؛ ذلك، لأنك قد تجد أحيانًا مرتكب كبيرة، أو شارب خمر غلبت شهوته ونفسه، يحب الله ورسوله، فكيف يُعزل هذا أو يُفصل أو يُهجر؟!
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:' لَا تَلْعَنُوهُ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ' رواه البخاري .
هكذا هدم رسول الإسلام ومعلم الدعاة فكرة العزل أو الهجر للمذنبين، حتى لا يعين الشيطان عليهم.
وهكذا فعل أئمة العلم والدين من بعده صلى الله عليه وسلم: فقد روى أبو يوسف رحمه الله أن أبا حنيفة النعمان كان له جار، وكان يشرب في الحانة، ثم يرجع بالليل يتغنى ويقول:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر
فرجع ذات ليلة فأخذه الطائف فحبسه، ففقد أبو حنيفة صوته فسأل عنه، فقيل له: حبسه الطائف، فتكلم فيه أبو حنيفة حتى أطلق، ثم قال له: يا فتى! رأيتنا أضعناك .
إذًا فالذي على الداعية الفقيه: هو استيعاب مثل هذا المذنب في العمل الإسلامي، باستغلال عواطفه وطاقاته المؤمنة في إحقاق الحق وإبطال الباطل، لأن في ذلك إتاحة له لإتباع ما اقترف من سيئات بحسنات الدفاع عن الحق.
وقد يكون استيعاب مثل هذا سببًا لتوبته وصلاحه، كما كان من أمر أبي محجن الثقفي: أتي به سعد بن أبي وقاص يوم القادسية، وقد شرب الخمر، وكان قد حُد فيه مرات متعددة، يقال سبع مرات، فأمر به سعد، فقيّد وأودع في القصر، فلما رأى أبو محجن الخيول تجول حول حمى القصر، وكان من الشجعان الأبطال، صار يقول:
كفى حزنًا أن تدحم الخيل بالقنا وأترك مشدودًا عليّ وثاقيا
إذا قمتُ عناني الحديد وغلقت مصاريع من دوني تصمّ المناديا
وقد كنت ذا مالٍ كثير وإخوة وقد تركوني مفردًا لا أخا ليا