فهرس الكتاب

الصفحة 24642 من 27345

ثم قال لابنة حفصة امرأة سعد: [ أطلقيني ولك ـ والله علي ـ إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد، فإن قتلت استرحتم مني] فحلته حتى التقى الناس، وكان بسعد جراحة، فلم يخرج يومئذ إلى الناس، وصعدوا به إلى العذيب ينظر إلى الناس، فوثب أبو محجن على فرس لسعد يُقال له البلقاء، ثم أخذ رمحًا، فجعل لا يحمل على ناحية من العدو إلا هزمهم، وجعل الناس يقولون: هذا ملك لِمَا يرونه يصنع، وجعل سعد يقولالضبر ضبر البلقاء، والظفر ظفر أبي محجن، وأبو محجن في القيد] فلما هُزم العدو رجع أبو محجن حتى وضع رجليه في القيد، فأخبرت ابنة حفصة سعدًا، بما كان من أمره، فقال سعدلا والله! لا أضرب اليوم رجلًا أبلى للمسلمين ما أبلا لهم] فخلّى سبيله، فقال أبو محجنقد كنت أشربها إذ يقام عليّ الحد وأطهر منها، فأما إذ بهرجتني! فهوالله لا أشربها أبدًا].

فرق مهم: وفَرْقٌ بين أن تبغض الذنب وبين أن تبغض المذنب؛ لأن الذنب لا يُحل ولا يُبيح بُغض المسلم، والمسلم يجب أن يكون محبوبًا للمسلم، كما أن الذنب لا يخرج مرتكبه المسلم من حظيرة الإسلام، فهذا أبو الدرداء رضي الله عنه، يمرّ على رجل قد أصاب ذنبًا، فكانوا يسبونه، فقالأرأيتم لو وجدتموه في قليب ألم تكونوا مستخرجيه؟] قالوا: بلى! قال فلا تسبوا أخاكم واحمدوا الله الذي عافاكم!] قالوا: أفلا تبغضه؟ قال:' إنما أبغض عمله، فإذا تركه فهو أخي].

هجر الثلاثة الذين خلفوا: أما الاستدلال لوجوب هجر المذنبين بقصة الثلاثة الذين خُلِّفوا وهجر الصحابة رضي الله عنهم مع رسولنا صلى الله عليه وسلم لهم خمسين يومًا هجرًا كاملًا فليس هو بدليل عام يصلح إنزاله لكل الأزمنة والأمكنة والأحوال، فيكون قاعدة عامة مستمرة، وإنما هو من قبيل سنن الأعيان ووقائع الأحوال، التي تختص بذات الحالة وما كان مثلها تمامًا لا غير.

ودليل تخصيص هذا الهجر في الثلاثة الذين خُلِّفوا ومن كان على حالهم تمامًا، دون غيرهم ممن شابه أحوالهم من بعض الوجوه، أمور:

الأول: أنه لو كان الهجر للعاصين لمعصيتهم، فإن بالمدينة يومئذ من هم أعتى من الثلاثة جرمًا، بل كان ممن تخلّف عن تبوك من هو منافق معلوم النفاق، ومع ذلك لم يهجرهم الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته.

الثاني: أنه لم يحدث هجر في تاريخ الإسلام إلا هذه الواقعة، فلم يتكرر مع تكرر وتوالي الذنوب والمعاصي .

الثالث: أنه حدث في العصر السني في المدينة ما هو أعظم خطرًا وشرًا على المسلمين، ومع ذلك لم يُهجر مرتكبه، وذلك أن الصحابي الجليل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه قبيل الفتح، كتب إلى مكة ينصحهم بالاستعداد لجيش محمد صلى الله عليه وسلم، ويخبرهم بغزو النبي صلى الله عليه وسلم مكة، ويكتب إليهم بأسرار جيشه عددًا وعتادًا، وفي إعانة أهل الكفر على أهل الإسلام ما لا يخفى على أحد، ومع كل ذلك لما قال عمر رضي الله عنه: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فَدَعْنِي فَلِأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فقال الرسول الداعية القدوة صلى الله عليه وسلم: [ أَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ الْجَنَّةُ أَوْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ] فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ وَقَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . رواه البخاري ومسلم وأبوداود والترمذي وأحمد.

ومعنى ذلك أنه: ليس من الصواب في شيء أن نجيز للناس هجر كل مذنب عاص في المجتمع الإسلامي، ولكن الحق الصحيح ألا يهجر أهل الذنوب والمعاصي بقدر ما يُدعون إلى الخير ويؤمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

استدلالات أخرى للهجر يجب توجيهها: ولا يزال بعضنا يحاول أن يجعل الأصل هو هجر أصحاب الذنب، وإن كانوا ثابتين على الملة، ويستدلون بوقائع من ممارسات للسلف، ومواقف الرسول صلى الله عليه وسلم.

وليس الأمر كما ظنوا، إذ كل ما أثر في أمر الهجر لا يخلو من أربع حالات:

الحالة الأولى: أن يكن الهجر من قبيل الغضب والعتب في حقوق العشرة أو الأبوة أو الزوجية، كهجران الوالد الولد، والزوج الزوجة، ومن كان في معناهما، ولقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هجر نساءه شهرًا.

الحالة الثانية: أن يكون الهجر من قبيل العادة العامة والعرف العام، كالذي رُوي مرفوعًا: [ هجران الأحمق قربان عند الله] رواه الديلمي في مسند الفردوس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت