فهرس الكتاب

الصفحة 13271 من 27345

تفسير سورة الأعلى الحلقة الرابعة

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:

استعرضنا معكم في الجمعة الماضية جانبًا من سورة الأعلى ونأمل اليوم إذا يسر الله تعالى أن نفرغ من الحديث عن هذه السورة إن استيسر ذلك . انتهينا من البحث في قول الله جلّ اسمه ( سنقرئك فلا تنسى ، إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى ) وعرضنا لبعض التفصيل لما يعنيه هذا الكلام ، وعلى وجه الخصوص لما يُفهم من الإقراء ، وعُنينا بصورة خاصة بالتفرقة بين أمرين ، ما أحوج الناس في هذه الأيام إلى أن يفرقوا بينهما ، عُنينا بالتفرقة بين مفهوم القراءة العامي المبتذل ، وهو ما يكون من الناس غالبًا ، وبين مفهوم القراءة وفاقًا لحقائق اللغة ومعطيات اللسان وقوانين الشريعة ، فرأينا أن القراءة تساوي أن يمتلئ الإنسان بهذا الذي يقرأ ، وأن يخالط منه اللحم والعظم والعصب ، وأن يكون بالتالي محركًا ومؤثرًا بارزًا في السلوك ، وبغير هذا فإن القراءة لا تكون أكثر من حركة لسان لا مردود لها ولا قيمة ، ولعمري إنه يكفي للإنسان المسلم أن يلتفت إلى تاريخه .. إلى تلك الفترة المنيرة المضيئة من حياة الإنسانية ، ويتعرف على ما كان يفعله أصحاب رسول الله صلوات الله عليه حينما يتلو عليهم رسول الله عليه السلام آيات الله ، فإن تاريخ تلك الفترة مليئ بالشواهد والوقائع التي تكشف عن الحرص البالغ الذي كان مستوليًا على أصحاب رسول الله عليه السلام ، من أجل أن يتعرفوا على هذا الكلام الذي يتنزل من عند الله جلّ وعلا .

لكم أن تتصوروا في أذهانكم صورة الرجل الذي آمن بالله واتبع رسوله صلى الله عليه وسلم وعاش في شوق شديد إلى سماع المزيد من آيات الله جلّ وعلا ، على كثرة الشواغل وضيق ذات اليد وصعوبة طرائق المعاش في ذلك الزمان ، وحيثما قلبتم من التاريخ صفحات فأنتم واجدون صورة هذا الرجل الذين يُنيب عنه أحد إخوانه ليحضر مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم كي يذهب هو ليضرب في الأرض لكي يعيش ، وعهدنا بالناس أنهم إذا انتهى النهار وفرغوا من العمل حلّ عليهم التعب ، فهم يلتمسون الراحة ويبتغون إليها الوسائل ويطلبون الترويح والتسلية عن النفس ، ولكن هذا الرجل الذي أمضى سحابة النهار في تلك الظروف الصعبة يضرب في الأرض بمحراثه أو بفأسه أو يحمل على كتفه أو يضطرب في سوقه لا يُحس آلام العمل ومتاعبه ، وإنما يحس معتلج الشوق إلى أن يلقى هذا الأخ الذي أوكل إليه أن يحفظ عنه كلام رسول الله صلى الله علبيه وسلم في هذه المدة التي غابها عن المجلس الكريم ، فهو يأخذ في آخر النهار من حقائق التنزيل ما فاته أن يسمعه في سحابة النهار.

إن هذا الحرص وحده دليل على إدراك جيد لمعنى القراءة ، وأنها عمل يتسم بالمسوؤلية ، وليس كما يفعل الناس اليوم .. صفحات تقلب وسطور يمر عليها النظر ، قد تتصل بالعقل أو النفس وقد لا تتصل ، وإذا اتصلت فيا سوأتاه .. إن هذا المجتمع المسلم منذ انشطر واقعه الإنساني انشطر أيضًا واقعه العقلي ، منذ أن أصبح الناس يعيشون في رؤوسهم بشيء وفي سلوكهم بشيء آخر انشطر أيضًا جانبهم العقلي ، فأصبحت القناعة شيئًا لا يتصل بالسلوك ولا يؤثر على سير الإنسان ، ولا يُطلب منه أن يكون سكانًا يُعدّل لهم دفة الحياة . للأسف ذلك هو الذي كان ، وهذا هو المغزى الذي أطلتُ الوقوف عنده في الأسبوع الماضي كي ألفت انتباه الإخوة إلى شناعة التقصير الذي وقع المسلمون فيه ، نتيجة لعدم الاهتمام ، وعدم تناول الأمور بالجدية اللازمة . ما لنا ؟ هذا حديث في الواقع يمزق القلب وهو تتمثل فيه مأساة المسلمين ، لنمضي مع الآيات .

بعد أن يقول الله جلّ وعلا ( سنقرئك فلا تنسى ، إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى ) يتصل الخطاب إلى رسول الله عليه السلام قائلًا ( ونيسرك لليسرى ، فذكّر إن نفعت الذكرى ، سيذكر من يخشى ، ويتجنبها الأشقى ، الذي يصلى النار الكبرى ، ثم لا يموت فيها ولا يحيا ، قد أفلح من تزكى ، وذكر اسم ربه فصلى ، بل تأثرون الحياة الدنيا ، والآخرة خير وأبقى ، إن هذا لفي الصحف الأولى ، صحف إبراهيم وموسى ) نحن حقًا محتاجون الآن إلى شيء من العناية في القول وفي الاستماع ، إن هذا القرآن كما كررنا مرارًا جسم واحد ، وكل سورة لها شخصيتها الخاصة ، ومن أشنع الخطأ أن تفهم آيات الكتاب الكريم تفاريق وأجزاء . حاولوا أن تلتقطوا الخيط الذي يربط هؤلاء الآيات ، ولنساعدكم على ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت