فهرس الكتاب

الصفحة 13272 من 27345

أما قوله جلّ وعلا ( ونيسرك لليسرى ) فهو مرتبط بالذي قبله ، لاحظوا أولًا تعهد من الله جلّ وعلا بأنه سيتولى إقراء رسوله الكريم صلوات الله عليه هذا القرآن وعلى النحو الذي شرحنا جوانب منه ، إقراءً تمتلئ به النفس ويعمر به القلب ويعطر على السلوك آثارًا مادية واضحة بينة ، ثم ليس يكفي أن نقتنع بالشيء وأن يتصل الشيء ذاته بواقع الحياة ، فأنت قد تصطدم بظروف لا قبل لك بها ، صعبة للغاية ، ولقد كان من قبل في تاريخ النبوات بالذات عوامل من هذا القبيل ، حينما عتت أمم على ربها وتمردت على شرائع أنبيائه وعصت رسل الله جلّ وعلا ، عاقبها الله تبارك وتعالى بأن شدد عليها الوجائب والتكاليف ، فحينما أُقرئت كتب الله جلّ وعلا اصطدمت بالواقع الذي لا قبل لها به . فاليسرى جاءت هنا وصفًا لمجمل الشريعة التي حملها محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس ، واليسرى ليس كما يفهم قصار النظر أنها هي الشريعة المبنية على التخفيف والتسهيل ، طبعًا هذا فهم قاصر ، فالحقيقة أن السهولة والصعوبة والتخفيف والشدة أمور نسبية ، فما هو صعب على شخص قد يكون سهلًا على آخر ، وما هو سهل يسير على زيد قد يكون عسيرًا على عمرو ، فالأمر هنا نسبي ، انتبهوا إلى ما أقرره لكم الآن ، لكن المسألة كلها تُرد إلى حقيقة ، إن الشرائع تكاليف وأعباء وواجبات ، وحين كنا نتحدث في بدايات أحاديثنا منذ سنة وأكثر من نصف السنة كنا نستعرض واقع العمل النبوي ، فرأينا من خلال النصوص التي استعرضناها أن النبوة تكاليف وأثقال وشدائد ومؤونة لا يستقل بها ولا يقوم بها إلا أولو العزم من الرجال بعون من الله تعالى وتوفيقه . المسألة لا أحب أن يقع ما يتردد في كتبه الفقه وكتب أصول الفقه من أن شريعة الإسلام مبنية على المياسرة وعلى المسامحة وعلى السهولة وعلى الخفة ، هذا كلام يقال لبيان وصف فقهي وأصولي ، وأما الحقيقة فغير ذلك ، كلام الفقهاء ينصب على واقع حصل فيه تغيير يتساوق مع حقائق الشرع ، وأما حين تختل الأمور فالمسألة تختلف ، لأقرّب الأمر .. خذ مثلًا أي جهاز ميكانيكي وخالف بين تراكيبه وخالف بين دقائق الجهاز الذي يتركب منه ، إنك ستحصل على واحدة من نتيجتين: إما أنّ الجهاز يتعطل ويتوقف إذا كانت المخالفة فظيعة وكبيرة ، وإما أن الجهاز يدور ويعمل لكن بمشقة وبعسر ، واحد من أمرين لا ثالث لهما ، نفس الإنسان كذلك ، جهاز مجموعة من الحوافز ، مجموعة من الدوافع ، مجموعة من القابليات ، وظيفة الشريعة ماذا ؟ أن تضع كل حافز وكل دافع وكل قابلية في مكان الذي تؤدي فيه أداءً كاملًا غير مصطدم وغير مضطرب ، حينما تتناسق النفس الإنسانية بهذا الشكل يكون العمل الإسلامي يسيرًا غير عسير ، لأنه يستخدم كامل الفاعلية في الجهاز الذي هو الشخصية الإنسانية ويستخدمها على وجوهها الصحيحة المضبوطة ، ليس يعني هذا نفي التكليف ولكن يعني أن تكون للتكاليف تلك اللذة التي يجدها الإنسان حينما يؤدي عملًا ما أداءً صحيحًا ومضبوطًا .

إن الإنسان حينما يؤدي أي عمل على نحو نموذجي يشعر بهذه الراحة ويشعر بهذه اللذة ، تصور أنه أوكلت لك مهمة فأديتها على أحسن ما يرام وعلى أكمل ما يرام وتحملت متاعب ، إنك في هذه الحالة تنسى متاعبك جميعًا ، بل إن الإنسان حينما يستغرقه هذا العمل يجد اللذة والسهولة واليسر والراحة في هذا العمل بالذات ، في غمرة العمل وفي ذروته . ومن هنا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ادلهمت عليه الخطوب وإذا اشتدت عليه متاعب الحياة وإذا عبس الناس في وجهه يفزع إلى الصلاة وينادي بلالًا قائلًا: أرحنا بها يا بلال . كلام يبدو للناس للذين لا يتأقلمون مع هذه الأجواء كلامًا مضطربًا ومتناقضًا ، إنك في غمرة التعب وتقوم إلى تعب وتصلي صلاة تقف فيها حتى تتورم قدماك ، أهذه راحة ؟ نعم راحة ، راحة عند الإنسان الذي ينسجم مع العمل ، فوصف الشريعة بأنها يسرى ، ووصف هذا بأن الله ييسر الإنسان له يحمل هذا المعنى ، ولا ينبغي أن يُفهم بصورة باتة عند الناس الجادين أن المراد بتكاليف الشريعة هذه الأعمال الصغيرة ، ركعتان أو أربع ينقرهما الإنسان نقر الديك ثم يمضي ، ولا ينبغي أن يُفهم أنها صيام يصومه الإنسان على أمل أن يلقى مع المغرب مائدة متعددة الألوان وما أشبه ذلك ، كلا ، تكاليف الشريعة أكبر من هذا وأعمق من هذا ، ولكن تيسيرها يتجلى في عبقرية الإسلام حين يضع كل حاسة من حواس الإنسان وكل حافز من حوافز الإنسان وكل قابلية من قابلية الإنسان في المكان الملائم له الذي يؤدي فيه أداءه بصورة حرة وبصورة متناسقة مع سائر أجزاء هذا الجهاز ، فتكون السهولة ويكون اليسر حاصلًا من هذا الباب لا غير .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت