التوحيد مسلّمة عقلية د. الحبر يوسف نور الدائم*
لقد سلط القرآن ضوءًا كاشفًا على كثير من القضايا الفكرية الجوهرية التي لا سبيل إلى تجاوزها أو المرّ بها مرًا سريعًا مستعجلًا من هذه القضايا التي وقف عندها القرآن وقفة طويلة متأنية, يدافع عنها, ويحدد معناها, ويوضح أبعادها قضية التوحيد. أما أن الله سبحانه موجود فهذه من البديهيات المسلمات التي يشير إليها سبحانه إشارة سريعة مكتفيًا باللمحة الدالة, و الأشارة العابرة إذ يكفي أن يلفتك لفتة قوية عابرة إلى آثاره ومظاهر عظمته وجلاله (أفي الله شك فاطر السموات و الأرض) (قل انظروا ماذا في السموات و الأرض) (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج . والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج . تبصرة وذكرى لكل عبد منيب . ونزلنا من السماء ماءًا مباركًا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد . والنخل باسقات لها طلع نضيد . رزقًا للعباد وأحيينا به بلدةً ميتا) .
تنزل القرآن الكريم على قلب الرسول الكريم و الناس في تيه وضلال, وزيغ وجنف, وميل وحنف, وسفه وطيش. قلوب مظلمة, وعقول متحجرة, ورقاب غلب وحمية جاهلية. فما زال بها يدعوها إلى الخير, ويحثها على التحرر, ويشجعها على الإنعتاق... يفتح لها الأبواب, ويهيئ لها المنافذ, ويفتق لها الآفاق حتى انقشعت عن القلوب الظلمة, وانجلت عن العقول الغشاوة. فإذا بالقلوب تهش, وإذا بالعقول تتفتح, وإذا بالأفكار تنقح, وإذا بالعقائد تصحح فتبارك الله أحسن الخالقين.
لقد أنبتهم القرآن نباتًا, ونشأهم تنشئة فكانوا خلقًا جديدًا فتبارك الله رب العالمين. جاء القرآن والناس صنم قد هام في صنم. اتخذوا من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًا لله .
رضوا بآلهة زائفة هي من صنع أيديهم إن هي إلا أسماء تسمى... اللات و العزى ومناة الثالثة الأخرى.... هبل وإساف ونائلة وغيرها من أصنام وأوثان وأنصاب...يتجهون اليها بالعبادة, ويتوجهون إليها بالدعاء ينحرون لها الذبائح, ويقربون لها القرابين, ويسألونها الصلاح و الفلاح, والهداية و الرشد فهم أولياؤها وسدنتها وحراسها. ومن عجائب ما يروى عنهم أن بعضهم قد أتخذ له ربا وأصبح ذات يوم فإذا بثعلب من الثعالب يبول على رأسه فحصبه بحصاة وقال قولًا سار مثلًا:
أرب يبول الثعلبان برأسه؟! ** لقد هان من بالت عليه الثعالب
وهاهو ذا آخر يتخذ صخرة صماء مستطيلة فأقبل عليها بإبل كثيرات لتبارك له فيها فلما رأت الإبل الصخرة فرت في كل وجه, وتفرقت بكل سبيل فقذفها بحجر وهو يقول:
أتينا إلى سعد ليجمع شملنا ** ففرقنا سعد فما نحن من سعد
وهل سعد إلا صخرة بتنوفة ** من الأرض لا يهدي لغي ولا رشد
كان الرجل منهم إذا خلا إلى نفسه متفكرًا وأقبل عليها متأملًا أنكر بعض ما هو منه ولكن أسر المجتمع من حوله, وربقة التقاليد التي تكتنفه, والولاء للآباء والأسلاف... كل هذا ربما حال بينه وبين المضي في تفكير قاصد مستقل. ما كانوا ينكرون وجود الخالق جملة ولكنهم كانوا يتخذون من دونه أندادًا (هذا لله وهذا لشركائنا) (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) وهاهو بعضهم يقسم باللات و العزى, ويقسم بالله فيقول: ( وبالله إن الله منهن أكبر) فلم يكن الأمر أمر جحود مطلق, وكفران مبين بالخالق ولكنه كان أمر شرك متشاكس.... ذرائع تتخذ, ووسائط تقرب.
جاء القرآن ولكل قبيلة إله, ولكل بطنٍ صنم فأعلنها دعوة توحيد صريح فصيح لا مواربة فيه ولا جمجمة (إن إلهكم لواحد . رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق) ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم) (أن هذه امتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) (قل هو الله أحد . الله الصمد) (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون) (فاعلم أنه لا إله إلا الله) في مثل ذلك الوضوح, وفي مثل تلك الصراحة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقوم في الناس مبشرا ونذيرا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا , فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو كما كان يدعو إخوانه المرسلون من قبل (أعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) فلقي ما لقي إخوانه من قبل من عنت وتضييق, ورهق وتشريد, وتعذيب واضطهاد. فصبر كما صبر أولو العزم منهم, وجاهد كالذي جاهدوا حتى أذن الله لنصره أن يتنزل, ولدعوته أن تنتصر, ولأمره أن يسود, ولدينه أن يقود فعم الخير, وشع النور, وساد الهدى.
وسار الناس تحت راية التوحيد ينشرون فضيلة قد طويت, ويبشرون بحق قد اندثر, ويفيضون على العالم كله خيرًا وبركة ونعيمًا.