قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى التوحيد ليقيم عليه البناء الفكري للإسلام كله (أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمّن أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم) قام صلوات الله وسلامه عليه يدعو إلى التوحيد فاستجاب بعض من صلحت فطرته, واستقام قلبه, وصح تفكيره, وأعرض عنه من انتكست فطرته, وارتكس قلبه, وانقلب تفكيره. عجب أقوام لهذه الدعوة التوحيدية الكريمة ودهشوا له وقال قائلهم ( أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب . وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد . ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا إختلاق ) وعند ارتكاس الفطرة, وانطماس البصيرة وأنتكاس القلب يصبح الحق مستعجبًا, ويتحول المعروف إلى منكر, و المنكر إلى معروف (أجعل الآلهة إلهًا واحدًا ) أي آلهة يا هؤلاء؟! إنها لا تسمع ولا تبصر ولا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا ولا موتا ولا نشورا إنها لا تدفع عن نفسها فضلا عن أن تدفع عن غيرها...إنها لا تغني عنكم من الله شيئًا. وقديما قال إبراهيم عليه السلام لأبيه ( يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا . يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا . يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا. يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا ) .
وكانت إجابة والد إبراهيم لهذه الدعوة الهينة اللينة المباركة الميسورة كما كانت إجابة اولئك الجفاة الغلاظ ( قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليًا ) إنها ذات الإجابة التي يواجه بها أولياء الله في كل زمان ومكان ( واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم. قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين) ذات الإجابة, وذات الموقف... كفر وجحود, تكذيب وعناد, وتهكم وإستعجال بالعذاب ... أولم يقل كفار مكة ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) أولم يقولوا ( ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ) والقط هنا بمعنى الحظ و النصيب. وهو نحو من قوله سبحانه في خواتيم الذاريات ( فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون) والذنوب بفتح الذال النصيب وهو في الأصل الدلو العظيم ومنه قول علقمة الفحل:
وفي كل حي قد خبطت بنعمة ** فحق لشأس من نداك ذنوب
قال الممدوح: نعم وأبيك وأذنة .