فهرس الكتاب

الصفحة 5016 من 27345

جمال المعاند -إسبانيا

في عقد السبعينات من القرن الماضي ظهر علم جديد عرف بالبرمجة العصبية (( NLP ) )هو نتاج خبرات تراكمية لمعارف نفسية وخلاصة استقراءات اجتماعية , وانتشر هذا العلم ووضعت له مناهج , وبما أن عليه مسحة الجدة لا يزال يعاني من تحفظات , فهو بين فرضيات علمية تتداخل مع قيم نشأت بعيدًا عن البيئة الإسلامية , وبين نتائج ملموسة حققت نجاحات على أرض الواقع .

وليس المجال تقصي هذا العلم وماله وما عليه , بقدر ما هو قراءة تستفيد من أسسه ونظمه في مجال التربية الإسلامية , لعلها تكون بادرة تجديد في الطرح الإسلامي اعتمادًا على نهج علمائنا المربيين ممن تلقت الأمة كتاباتهم بالقبول ، ومن خلال جمع إشارات و أقوال لهم يمكن أن تكون برمجة إيمانية , في عصر لا يؤمن إلا بالطرح المؤطر برؤى عصرية .

-وعلم البرمجة العصبية (( NLP ) )هو:

{ عبارة عن طرق يمكن استخدامها لتعيد صياغة قناعات الإنسان حول نقاط ضعفه } .

وخلاصة هذا العلم كيفية تغيير الإنسان من السلب إلى الإيجاب وفقًا لترتيب أنماط تفكيره , ولا يخفي منظروه اعتماد الخبرة الروحية في ذلك , فيقول روبرت ديلتس وجديث ديلورير في موسوعتهما البرمجة العصبية:

{ إن بحث واستكشاف بنية الخبرة الروحية قضية في غاية الأهمية بالنسبة للبرمجة العصبية } .

ومن خلال النقع المثار بين الأسس والطرق يتضح التركيز على العقل الباطن ودوره الأساس والذي لو برمج بالشكل المطلوب فإنه كفيل بتكوين قناعات تفرز عادات وسلوكًا .

وتختصر الشروح الكثيرة بجملة التحكم بالدماغ وفي نصفه الأيمن على وجه التحديد والذي لو تم كما هو مطلوب لقرأت الخارطة الذهنية , وأمكن تخزين معلومات في اللاوعي تدفع إلى تلقائية سلوكية تهتك ستائر اليأس وتكسر حواجز الإحباط وتزيل عراقيل التسويف .

ولعلم البرمجة العصبية أركان أربعة هي:

1 -النتيجة أو الهدف .

2 -الحواس .

3-المرونة .

4-المبادرة .

وعبر هذه الأركان تطرح البرمجة الإيمانية , وقد يشكل استخدام كلمتي النتيجة أو الهدف بداية الأركان , فالعادة ما تكون النتيجة حصيلة , أو أن يكون الهدف نتيجة إتباع طرق لكن الدراسات الحديثة سواء النفسية أو الاجتماعية أو الإدارية تعير الهدف التركيز الأكبر لأن وضوحه يبين أقصر الطرق للوصول إليه .

والهدف بالنسبة لكل مسلم مهما كان مبلغه من العلم هو إرضاء الله سبحانه وتعالى , ويتم ذلك عند أهل السنة والجماعة بالإتباع , فهو أصح الطرق وأقصرها قال تعالى: { وأطيعوا الله و رسوله } .

وفي الهدي النبوي الشريف قول النبي صلى الله عليه وسلم"تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنتي ....".

ولأهمية الهدف وما يتعلق به يفرد له مساحة أكبر في البرمجة الإيمانية , فأول متطلباته العلم الشرعي وفضله من الوضوح ما لا يحتاج معه إلى بيان . والكثير من المسلمين لا يدركون فرضية العلم الشرعي , ولا يعلمون أن ثمة أمورًا لا يسع المسلم الجهل بها حتى نص علماؤنا على بعض منها بقولهم ( لا يعذر أحد بجهله ) .

فمناط التكليف يبدأ بالعلم ومما يقع فيه سواد المسلمين التقليد ، والاستفتتاء عند حدوث مشاكل ، وربما ترددٌ غير منتظم لحلق العلم الشرعي ظانين أن الأمر نافلة وكمالية تجمل حياة المسلم وليس الأمر كذلك , فمع اتساع رقعة التعليم وكثرة وسائل المعرفة كالأشرطة والإذاعات والفضائيات وغيرها يجب تدارك الخلل وتأصيل و تجذير المعلومة الشرعية . لأن ضحالة الزاد العلمي كارثة حتى مستوى أداء العبادات ولقد لخص لنا المربي الفضيل بن عياض - رحمه الله - ذلك بقوله ( لا يقبل الله من العمل إلا أصوبه و أخلصه ) .

فالعلم يدلنا على الصواب , أما الإخلاص فأعداؤه كثر تحدثت عنهم كتب التزكية ومما تجدر الإشارة إليه في قضية البرمجة الإيمانية ويتعلق بالإخلاص هو الغفلة , فالعقائد لا تكون ركنًا شديدًا عند الأزمات والعبادات أمورًا روتينية والذكر بأنواعه حركات لسان - إلا من رحم ربي- , وقد قعّد العلامة ابن القيم الجوزية - رحمه الله - في سفره العظيم مدارج السالكين في الجزء الأول قاعدة تقول:

( الغافل غالبًا لا يصاحب عمله الإخلاص ) .

فالأمر يحتاج إلى تيقظ وفقه بالمعنى الحرفي للكلمة ، وقد توارثت أجيال المسلمين عبارة لأحد السلف تقول:

( إن فقه الأعمال من البصيرة ) .

ومن جنود الغفلة الخاطرُ ، ذلك العباب الذي لا ساحل له , ويتحدث ابن القيم عن ذلك مرة أخرى في كتابه الفوائد فيقول:

( الخواطر بمنزلة الحَب الذي يلقى للطائر ليصاد به ) .

و أفرد العالم الكبير ابن الجوزي كتابًا خاصًا أ سماه ( صيد الخاطر ) , واستقصاء موضوع الخواطر أمر يطول لا بد من مراجعة في مظانه لمعرفة أنواعه وخيره وشره والتمييز بين أشكاله . لأنه أمر بالغ الخطورة يوشك الخاطر لو استقر في العقل أن يتحول إلى فعل , وكفانا إمام الوعاظ الحسن البصري رحمه الله ذلك بقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت