( رحم الله عبدًا وقف عند همه، فإن كان لله أمضاه وإن كان لغيره تأخر ) .
ومن الخواطر ما يكون من نفث الشيطان وهو عدو لا ترجى مهادنته أبدًا . قال تعالى:
( إن الشيطان لكم عدوًا فاتخذوه عدوًا..)
وبين نزعات النفس الأمارة ومكر الشيطان قاسم مشترك هو المعصية . وتحدث علمائنا عن الفرق بينها . وهو من الدقة بمكان , فالمعصية التي سببها نفسي تجعل النفس تصر على لون معصية معينة من منشأ غرائزي غالبًا , أما المعصية الشيطانية فهي معصية تركز بداية على هدف المسلم لتنال منه فإن لم تستطع طرحت بدائل تشغل عنه وتسهم في توسيع مساحة الغفلة عن الله سبحانه وتعالى , وللشيطان طرق في الغواية منها الوسوسة ثم النزغ فالهمزُ ،ومن بعدُ المسُّ وذكرت الآيات نصًا هذه المفردات للتحذير من كيد الشيطان ومما ذكر في تراثنا التربوي أن الملعون سئل * كيف تغلبُ ابن أدم !
فأجاب:
إذا رضي جئت حتى أكون في قلبه وإذا غضب جئت حتى أكون في رأسه * .
فهو عدو متربص ينتهز أي فرصة للانقضاض على المسلم , وقد سأل رجل الحسن البصري رحمه الله فقال:
* يا أبا سعيد: أ ينام الشيطان . فتبسم وقال لو نام لا استرحنا * .
فالحذر من كيده عن طريق تفعيل المراقبة لله سبحانه . ونبه الإمام الجنيد- رحمه الله - إلى ذلك بقوله:"من تحقق من المراقبة خاف على فوات لحظة من ربه لا غير".
والركن الثاني من أركان البرمجة الحواس , تلك المنافذ التي خلقها الله سبحانه وتعالى لتكون قنوات اتصال بين الإنسان ومحيطه , وركب فيها شهوات وحدد لهذه الشهوات طرقًا تقضي فيها أربها في تناغم بين الهدف - وهو إرضاء الله تعالى - وبين إعمار الكون ، لكن النفس الإمارة والشيطان يريدان لها تجاوز الحدود والانفلات , والشرع والعقل يريدان الانضباط عن طريق الإرادة فإذا استخزت الإرادة أمام الشهوات وتلاحقت هزيمتها , شوشت على الهدف وأفرخت خواطر السوء وكلّت الهمةُ لتولد صفات مذمومة هي مسالك الشيطان هذا ما أكده الشيخ عبد العزيز السلمان في كتابه مداخل الشيطان حيث قال:
( ليس في الأدمي صفة مذمومة إلا وهي سلاح الشيطان ومد خل من مداخله ) .
ومن جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم في التحكم بالشهوات ما رواه أنس ابن مالك رضي الله عنه قال:
قال صلى الله عليه وسلم ( من وقي شر قبقبه وذبذبه ولقلقه دخل الجنة ) .
والركن الثالث المرونة , فالبدائل الشرعية من الكثرة ما تتلائم مع أي مسلم أنى كان وضعه , والنفس تحتاج إلى مدارة وأن تساس بالرفق فهي - كما أخبر عمر بن عبد العزيز رحمه الله - مطيةُ الإنسان وفي تراجم السلف نقرأ أن أخًا في الله لإمام دار الهجرة كان عابدًا فأرسل إليه رسالة ينصحه فيها أن لا يشغله التصدر للدرس عن العبادة فكان جواب فقيه المدينة على سكنها أفضل الصلاة والسلام:
( بأن الله يفتح لكل عبد بابًا من أبواب مرضاته )
ليت كل مسلم يتحلى بالمرونة مع نفسه ويبحث من الأعمال ما يناسب الوقت والظرف الذي هو فيه حتى يغدو له أوراد من الباقيات الصالحات تعمل على تحديث برمجته الإيمانية .
والمبادرة هي آخر أركان البرمجة , ولو عدنا إلى الأحاديث النبوية لألفيناها وردت في أكثر من حديث نصًا أو مرادفة لها منها:
( بادروا بالأعمال سبعًا هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا أو غنى مطغيًا أو مرضًا مفسدًا أو هرمًا مفندًا أو موتًا مجهزًا أو الدجال فشر غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر ) .
والمبادرة هي اغتنام استعداد النفس وكسب الوقت فالمشاغل لا حصر لها , وتلد الأيامُ - وأحيانًا أنيًا - مصاعب تعوق تحقيق الهدف وتؤخر انجازه , والموت الخاتمة المنتظرة لكل حي وهو في حجب الغيب يغذّ السير فلا تدري نفس لحظة الأجل وختم العمل وطي الصحيفة , وهي من العقائد الواضحة الجلية لدى كل مسلم .
وخلاصة البرمجة الإيمانية قول الحبيب صلى الله عليه وسلم:
( إنما العلم بالتعلم , وإنما الحلم بالتحلم , ومن يتحر الخير يعط , ومن يتوق الشر يوقه )
فالأمر تحديد الهدف بمرضاة الله تعالى وعلمٍ شرعي ، ودربةٍ عقلية ، وممارسة سلوكية تورق أجرًا وثوابًا بإذن الله .