فهرس الكتاب

الصفحة 25380 من 27345

السؤال:

أنا مسلم أعيش في دولة غربية ، و أُعتَبَر أحد أكبر الفيزيائيين في هذه الدولة ، يقصدني أساتذة الفيزياء الجامعيين من بلاد بعيدة ليسمعوا محاضراتي و تدعوني الجامعات العالمية الكبرى لألقي فيها المحاضرات ، و أعلق على التجارب المعملية فيها ، و قد حصلتُ على عدة جوائز أهلية و حكومية من الدول و الهيئات لأعمالي في هذا العلم و لله وحده الحمد و المنة .

و أنا و لله الحمد ملتزم بديني و أحفظ كتاب الله تعالى و أعلّم الناس تفسيره بين المغرب و العشاء في حلقة بمسجد الحيّ ، و أحفظ بعض المتون العلمية ، و أقرأ الكثير من الكتب الإسلامية لابن القيم و ابن تيمية و غيرهما و لله الحمد .

و لكن ، هناك سؤال يؤرقني و يقض مضجعي و يبكيني ، و هو: هل سأستفيد في الدار الأخرة من إفناء عمري في تعلم و تعليم علم الفيزياء النووية ؟ علمًا أن علم الفيزياء ( المادّة ) له دور أساسي في إقامة الحضارات و محوها ، فهو أصل كثير من العلوم التي لا يكاد يخلو بيت أحدنا من آثارها ، كما أنه و الله يزيد الإنسان خشية من الرحمن ، و يجعله يتفكر في عظمة الله و قدرته جل وعلا .

فهل سيكون لي حظ يوم القيامة بعلمي هذا ؟ أم سأكون من المحرومين ؟

كما أنني ألقي المحاضرات للطلاب بالمجان فهل أنا مأجور على ذلك ؟ أفيدونا جزاكم الله خيرًا ؟

الجواب:

أقول مستعينًا بالله تعالى:

إنّ طلب العلم المادّي ( الذي ينفع الناس في حياتهم ) مقصد شريف في ذاته انتدبنا الله تعالى إلى تحصيله و السعي في طلبه ، خاصّةً إذا ترتّبت عليه آثارٌ خاصّةٌ كتحصيل الخشية في نفس حامله ، إذ ( إنّما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ ) أو عامّةٌ كالعمل على التمكين للمسلمين في الأرض و تيسير أمورهم ، و تقوية شوكتهم ، و إظهارهم على عدوّهم ، سواء كان ذلك العلم من قبيل علوم المادّة ( الفيزياء ) أو الاقتصاد أو الصناعة أو غير ذلك .

هذا على وجه العموم أمّا على وجه الخصوص ؛ فتدخل النيّة و المقاصد في الحُكم على كلّ حالةٍ ، فإذا كان العالم في موقعٍ كالذي ذكره الأخ السائل ، و عَمِل من خلاله على نقل المعارف و العلوم و التقنية ( التكنولوجيا ) النافعة إلى المسلمين ، و احتَسَبَ في ذلك الأجر عند الله تعالى ، فلا شك عندنا في أنّه مأجورٌ على عِلمه و عَمَله إن شاء الله تعالى .

أمّا إن كان يقوّي الكافرين و يُظهرهم على المسلمين بعلمه أو عَمَله أو رأيه ، و خاصّة في المجال العَسكريّ أو الاستراتيجي ( التخطيط للمستقبل و لو كانَ بعيدًا ) ، فحالُه بالغ الخطورة و إثمُه كبير ، و ينبغي عليه أن يبادر بالتوبة إلى الله تعالى قبل أن يأتيَ يومٌ لا ينفع فيه مالٌ و لا بنون إلا من أتى اللهَ بقلبٍ سليم .

و إن كان في عمله هذا يتلمّس أسباب الرزق ، بمعزلٍ عن قصد جلب النفع للمسلمين أو عَكسهِ ، فعَليه أن يُراجع نيّته في ضوء ما تقّدم ، فإن كانت حَسنةً فبِها و نِعمَت ،،، و إلاّ فعليه إصلاحها ، لأنّ الثواب و العقاب مترتّبان على النيّة ، و لا ثواب إلا بالنيّة ، لحديث عُمَر بن الخطّاب رضي الله عنه المشهور ، أنّ رسول الله صلّى الله عليه و سلّم قال: ( إنّما الأعمال بالنيّات و إنّما لكلّ امرئٍ ما نوى ) .

و ما ذَكره الأخ السائل من حفظه كتاب الله تعالى و حرصه على التعليم و التعلّم و الدعوة إلى الله تعالى في محيط عَملهِ أو سَكنه ، فهذا يبعث على الغبطة و السرور ، و حمدِ الله تعالى على أن أخرَج من هذه الأمّة من لا تشغلُه الدنيا عن الآخرة ، و لا تصرفه صنوف النعيم و السرّاء عن التعلّق بالله تعالى و شكره على النعماء .

و نحتسب للأخ الكريم جزيل الأجر و الثواب عندَ الله تعالى لقاء إلقائه المحاضرات و الدروس العلميّة الشرعيّة ( في التفسير أو غيره ) رجاءَ ما عند الله ، و عَدَم تلقيه أجرًا ماديًا عليها ، فقد روى الترمذي في سننه بإسناد صحيح عَنْ أَبِى أُمَامَةَ الْبَاهِلِىِّ أنَّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه قالَ: « إِنَّ اللَّهَ وَ مَلاَئِكَتَهُ وَ أَهْلَ السَّمَوَاتِ وَ الأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِى جُحْرِهَا وَ حَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ » .

و نرجو أن يكون ذلك ممّا ينتفع به في الحياة و بعد الممات لكونه علمًا ينتفع الناس به .

و ممّا نوصي به من هذا حاله تقريب الطلاب المسلمين و تعليمهم ممّا علّمه الله ، و خاصّةً في مجال اختصاصه المادّي ، فقد يدخل هذا في باب فروض الكفاية ، لقلّة من المختصّين في هذه العلوم و المتمكنين منها من المسلمين من جهة ، و لاحتكار بعض الدول المتقدّمةِ التقنيةَ من جهةٍ أخرى ، فضلًا عن عَجزِ كثيرٍ من المسلمين ( أفرادًا و جماعاتٍ و دُولًا ) من تحصيل هذه العلوم و السعي إليها لأسبابٍ مادّية .

و أسأل الله تعالى أن يوفقنا و الأخ السائل ، و سائر المسلمين لما فيه صلاح الدنيا و الدين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت