أحمد حمدان*
-نضع الآخرين في قفص السذاجة عندما نلغي شخصياتهم؛ ونحولهم إلى أجسام آلية تتحرك بالريموت كنترول.
-نضع الآخرين في قفص السذاجة عندما ننصب أنفسنا كمراقبين لحركاتهم وسكناتهم..
-ونضعهم في القفص المذكور عندما نظن - لحاجة في أنفسنا - أننا نعرف كل شيء؛ وبالتالي فلا حرج من أن نصدر التعليمات يمنة ويسرة، ولا بأس عندها من تغليفها - أحيانا - ببعض الألوان والميزات الاجتماعية، ونحوها!!
فعندما ترسل ابنك لمهمة ما، وتقول له: (امش بالشارع الفلاني، واركب المواصلات الفلانية، وأوعك تقيف مع أصحابك، وقول لعمك فلان أبوي قال ليك.. وأوعك تتأخر..) أليست العبارات السابقة تأطيرًا لهذا الابن المسكين، ووضعا له في قفص السذاجة؟!
وعندما ترسل الأم ابنها لسوق الخضار مثلا فإنها لا تدع له هامشا للاختيار أو المناورة (اشتر اللحمة من المحل الفلاني، والخضار من دكان ناس فلان، والطماطم ...، والزيت من البقالة الفلانية ...، وجيب الباقي) .. وتضاف عادة عبارة (وما تتأخر) دون النظر في أسباب ذلك التأخر إن حدث في مرة أو مرات سابقة!!
فماذا لو أن هذه الأم أعطت الابن قائمة بما تريد دون تحديد أماكن شراء تلك الأشياء؛ ليجد الابن فرصة للاختيار، والمقارنة، والتعلم بالممارسة؛ فضلًا عن أن تترك له اختيار (الخضار المناسب لذلك اليوم) ؟!
وفي المدرسة تزعجني الأسئلة الساذجة من قبيل:
-يا أستاذ! ممكن تكتب بقلم أخضر؟
-يا أستاذ! نسطر الكراسات؟
-يا أستاذ! نسيت كراسي؛ ممكن أكتب في ورقة؟
-يا أستاذ! نكتب خلاص؟
وهي أسئلة ساذجة، خاصة وأنها صادرة من طلبة ينتظر منهم المبادرة، والجرأة، والانطلاق إلى الأمام؛ بالرغم من أنهم لا ذنب لهم - برأيي - فيما وصلوا إليه من سذاجة!!.. فمن الذي أوصلهم إلى هذه الحال؟ ومن الذي وضعهم في هذا القفص؟
الجواب: أنهم جاؤوا من بيوتهم بشحنات من السذاجة؛ فالواحد منهم لم يعتد على المبادرة، والاختيار، والبحث عن البدائل، بل إن بعضهم يحدد له أبواه الشارع الذي يذهب به إلى المدرسة، ومن يرافقه في الذهاب والعودة، إلى غير ذلك من الأشياء والتصرفات (المحددة مسبقًا) !!
وعندما يأتي ذلك الطالب المسكين إلى المدرسة يستمر معه المسلسل (البايخ) نفسه، وتصرف له التعليمات (بالكوم) ؛ دون النظر إلى صلاحية تلك التعليمات، أو مراعاة آثارها الجانبية..
-ما تكتب بقلم أسود!!
-جلد الكراسات بجلاد أصفر!!
-ما تكتب أثناء الشرح!!
-ما تنط بالشباك!!
-ما تجي بقميص ملون!!
وتستمر التعليمات في التزايد يومًا بعد آخر؛ حتى يصل الأمر بالطالب إلى عدم المقدرة على فعل أي شيء ما لم يستفسر حضرات المعلمين!! فماتت المبادرة، واغتيلت الروح، وفقدت الجرأة!!
عندما نلغي شخصيات الآخرين؛ ولا ندع لهم هامشًا للحركة والمبادرة والاختيار فإننا نكون قد أطرناهم بأمزجتنا؛ دون مراعاة لشخصياتهم، ونفسياتهم!!
-فماذا لو زرعنا الثقة في نفوس أبنائنا وطلابنا؟
-ماذا لو تركنا لهم هامشا - صغيرا أو كبيرا - للتعبير عن بعض رغباتهم وآرائهم؟
-ماذا لو عرضنا لهم اللوائح والتعليمات بصيغة بنود للحوار والنقاش والأخذ والرد؟ وماذا لو استمعنا لآرائهم وأفكارهم بصدور رحبة؟
لو حدث كل ذلك - أو بعضه - لوجدنا الطالب محبا لمدرسته ومعلميه، حريصا على دروسه وواجباته؛ لأنه سيسعد حينها بذاته وشخصيته!!
لو حدث كل ذلك أو بعضه لنشأ ناشئ الفتيان منا على المسؤولية، والثقة بالنفس، والمبادرة، والجرأة!!
لكن إلى أن يصبح الأمر كذلك.. معذرة أبناءنا وأحباءنا الصغار فقد افترضنا فيكم السذاجة (والجهل) بدعوى التوجيه والتربية؛ فاقبلوا اعتذارنا!!