ياسر بن علي الشهري 16/6/1427
الآراء الحديثة الواردة في"أدبيات التنمية"ربطت نجاح برامج التنمية وضمان استدامتها، وقدرة المجتمعات على مواجهة التغيرات العالمية والتواؤم معها، بتوافر معطيات أساسية للمرأة تمكنها من المساهمة الإيجابية في حركة التنمية وتوجيهها، وحددت في مقدمة هذه المعطيات، الإنتاج الاقتصادي، الذي يضع المرأة في موقع القوة، ويجعلها قادرة على خدمة مجتمعها.
إن الحركة الحديثة لمشاركة المرأة ارتبطت بفكر نرفضه تمامًا لكونه؛ لا يعترف بحقائق الإسلام المطلقة، ولأنه يلغي الحياة الجماعية في مقابل"الرغبة"الفردية، ويقوم على النظرة المادية في التخطيط والقياس، ويتهم النظرات المغايرة له بالتقليدية، خاصة النظرة التي تعتمد على الدين الإسلامي.
ومصطلح"التمكين"الذي تلقّفه بعض المسلمين والمسلمات دون علم بجذوره، هو أحد إفرازات الحركة الحديثة لمشاركة المرأة؛ المنسوبة لعلم الاجتماع، وهو مؤشر فاضح للمرض العضال الذي أثخن في الحياة الفكرية والعلمية للأمة؛ نتيجة لجهل كثير من أبنائها وبناتها بحقيقة الإسلام، وتعطّشهم لتسوّل مبادئ العلوم الإنسانية من الغرب دون تمحيص، خاصة شَطَحات علماء الاجتماع التي حلّت محل الأديان المحرفة عندهم.
إن العلم بأن (التمكين أو البحث عن تحقيق القوّة للمرأة) من إفرازات التحليلات السيسيولوجية الحديثة ليكشف عن المرض الذي يعانيه"التمكينيّون"من أبناء وبنات المسلمين، والمتمثل في التبعيّة الفكرية والعلمية، والانهزامية أمام المنتج الغربي، وإلا كيف يُقبل مثل هذا المفهوم على الرغم من وجود المسوّغات الفكرية لرفضه، ونسف أصوله التي يقوم عليها، ومن ذلك:
أولًا: إن هذا المفهوم يشير إلى إيجاد (خلق!) القابلية لدى المرأة لامتلاك الوعي والمعرفة والخبرة التي تمكنها من المشاركة ومقاومة الضغوط الاجتماعية.. أو باختصار (تحقيق الذات) وسبب الرفض لهذا. إن تحقيق ذات المرأة المسلمة -وكذلك الرجل- كفله لها الإسلام إذا استقامت عليه واستقام عليه مجتمعها؛ فهو الذي يمنحها عمقًا عقديًا يربطها بخالقها وبالكون من حولها، ويكشف عن تكريمها, وشبكة من التشريعات والضمانات التي تحمي ذاتها، ويعمل على صياغة البيئة العامة والعلاقات الاجتماعية بما يعينها على أداء مهامها.
ثانيًا: إن هذا المفهوم يشير إلى مدى القدرة على وضع الظروف ومقاومة الضغوط وصولًا إلى حضور المرأة في الواقع الاجتماعي. وهو ما يسمّونه بـ (حضور الذات) . وسبب الرفض لهذا الرأي أن المرأة المسلمة حاضرة في الواقع الاجتماعي وليست غائبة، وأن علاقتها مع أطراف المجتمع علاقة تعاضد وتكامل، فهي الحاضن الأول للفرد الذي تعده وتؤهله ليكون عضوًا في البنيان الاجتماعي وفق التشريع الذي ينظم كل هذه العمليات، ويكفل تهيئة البيئة المناسبة لممارسة التشريع على المستوى الفردي والمجتمعي.
إننا -في ظل هذه الانحرافات الفكرية- بحاجة إلى"شيوخ اجتماعيّين" (يقرؤون) على المرضى حتى يفهموا أن المرأة القادرة على تحقيق النمو الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لمجتمعها؛ هي المرأة التي أدركت الحكمة من وجودها، والتشريعات الربانية المنظمة لحياتها وعلاقاتها، ثم استقامت على ذلك بنفسها، وعملت على تقويم كل من تنجبه على المنهج نفسه. كما أننا بحاجة إلى"شيوخ تنمويّين"يواصلون عملية القراءة، ويعلّمون"المرضى"أن قياس النمو الاجتماعي للمرأة إنما يكون بمدى المحافظة على المكاسب الكبرى التي حققها الإسلام للمرأة، وحققتها المرأة المستقيمة لنفسها ولمجتمعها، وبمدى المحافظة على طبيعتها وأنوثتها.
وإذا كان الهدف من مشاركتها، تنمية المجتمع، فإن عملية التنمية تستهدف العنصر البشري (رجلًا، امرأةً) والعقلاء يدركون أن المرأة مسؤولة عن إعداد وتأهيل العنصر البشري عمومًا (حملًا, رضاعةً, أمومةً, تربيةً, توجيهًا، تهذيب العواطف, دفعه نحو التقدم والنجاح في مجالات حياته) حتى ينتقل هذا العنصر البشري إلى موقعه، ويستطيع الاعتماد على نفسه، ويحقق عبوديته لربه، وأيضًا هي مسؤولة عن عمليات التأهيل للمجتمع بأكمله فهي التي تنمي، وتصنع في نفوس الأجيال القيم، وبالتالي فهي مؤثرة في المجتمع بأكمله من خلال مشاركتها الفاعلة في صياغة قيم الفرد والأسرة.
إن المرأة في ثقافتنا: راعية ومديرة الكيان الأكبر تأثيرًا في الحياة الاجتماعية -الأسرة- والخلل ليس في ثقافتنا المستمدة من الدين.. أبدًا، بل هو في العقول التي استوردت مقاييس شؤون المرأة، وعليه يجب أن نضبط المقياس الذي نقيس به تقدمنا في قضايا المرأة، وأن نبنيه في ضوء ثقافة الإسلام.
فمن قال إن المرأة لا تعمل إذا لم تكسب ماديًا؟!
وإنها لا تحقق ذاتها إلا إذا كانت أجيرة أو ذليلة لماديات الحياة؟!!