على طريق الأصالة: الأريوسية الموحدة - 12
منذ وقت بعيد وعلى ألسنة عدد من العلماء والباحثين المسيحيين تتردد الدعوة إلى إعلان بشرية السيد المسيح ونبوته للخالق تبارك وتعالى ومعارضيه ما تردده التفسيرات المسيحية التي تتحدث عن ما يسمى ألوهية السيد المسيح ولقد ظلت هذه الدعوة خافتة حتى جاءت ظاهرتان خطيرتان في الأيام الأخيرة إحداهما ذلك الكتاب الذي صدر في باريس تحت اسم: The Myth of God Incarnat
والذي كتبه سبعة من كبار رجال الكهنوت يعلنون فيه إنكار ألوهية السيد المسيح ويقرون ببشريته فقط. أما الأمر الآخر فهو تلك المخطوطات التي اكتشفت في كهف قمران والتي تثبت أن السيد المسيح نبي مرسل من عند الله وليس إلهًا ولا ابن الإله وإنما هو بشر اختاره الله تبارك وتعالى واصطفاه بالنبوة وأرسله لبني إسرائيل.
وترجع نسبة الأريوسية إلى أريوس الأسقف المصري الذي عارض محاولات تفسير الديانة المسيحية ونسبتها إلى مفاهيم قديمة بالتثليث أو ما يسمى بالطبيعة المزدوجة (وكلها مذاهب وفلسفات قديمة كانت قبل المسيحية وكان أن اقتبسها بولس في تفسيراته للمسيحية وبها نقلها من الديانة الربانية السماوية إلى ديانة بشرية ويقرر الأستاذ رشيد سليم الخوري في وصيته(تموز 1977 م) :
إن الكنيسة المسيحية ظلت حتى القرن الرابع الميلادي تعبد الله على أنه الواحد الأحد وأن يسوع المسيح عبده ورسوله حتى تنصر قسطنطين عاهل الروم وتبعه خلق كثير من رعاياه اليونان والرومان فأدخلوا عليها بدعة التثليث وجعلوا لله سبحانه وتعالى أندادًا شاركوه منذ الأزل في خلق السماوات والأرض وتدبير الأكوان وما لأهم الأسقف الأنطاكي مكاريوس الذي لقب نفسه أرثوذكسي (أي مستقيم الرأي) فثار زميله الأسقف آريوس على هذه البدعة ثورة عنيفة شطرت الكنيسة واتسع بين الطائفتين نطاق الجدل حتى أدى إلى الاقتتال فانعقدت المجامع للحوار وفاز أريوس بالحجة القاطعة فوزًا مبينًا.
بيد أن السلطة التي هي أصل البلاء وضعت ثقلها في الميزان فأسكت صوت الحق ونفذت الباطل واستمر المسيحيون ممعنين في ضلالتهم والحق يتململ في قيده منتظرًا أريوسًا جديدًا يعيده إلى نصابه.
وكانت صيحة الشاعر القروي تتمثل في قوله:"لكم أتمنى وأنا الأرثوذكسي المولد أن يكون هذا الأريوس بطريركيًا أرثوذكسيًا بطلًا ليصلح ما أفسده سلفه القديم ويمحو عنا خطيئة ألصقها بنا غرباء غربيون ولطالما كان الغرب ولا يزال مصدرًا لمعظم عللنا في السياسة وفي الدين على السواء".
هذه هي صيحة الضمير التي هزت من الأعماق كثير من المسيحيون المثقفون والعلماء وفي مقدمتهم هؤلاء الخمسة نفر من رجال الكهنوت الذي أصدروا كتابهم الذي هو الحياة الفكرية والاجتماعية في أوروبا هزًا عنيفًا. إذ أن هذه الصيحة إنما جاءت بعد إرهاصات كثيرة متعددة سبقها فئة من رجال الدين في اليونان ترفض القول بألوهية المسيح.
وسبقها ظهور كتاب لأستاذ في جامعة السربون هو الأستاذ شارل كينيبر وسبقه ما أعلنه القس دافيد إدوارز من كنيسة وسمنستر أما هؤلاء الخمسة ففي طليعتهم القس موربس ولز رئيس لجنة المعتقدات في كنيسة إنجلترا وأستاذ الإلهيات في جامعة أكسفورد، وكلما تنبني الرأي الإسلامي القائل بأن السيد المسيح لم يتخذ لنفسه طابع الألوهية وإنما جعل إلهًا فيما بعد بتأثيرات وثنية في أوائل القرون الأولى للمسيحية.
وتقرر هذه الآراء في مجموعها كما فضها الدكتور معروف الدواليبي بأن القول بألوهية المسيح وبالتثليث وبأنه ابن الله لم يعرف شيء من تلك في حياة المسيح نفسه وتجزم هذه الآراء في مجموعها بأن القول بأن المسيح ابن الله وأنه إله وأنه واحد من ثلاثة: إنما هو صورة للعقائد الوثنية في الهند والشرق الأقصى نقله إلى أوروبا وخاصة إلى روما في هجرات الشعوب"الهند وأوروبية"ثم أدخلت في عهد الامبراطورية الرومانية على الديانة المسيحية لتحتل في شكلها الجديد محل عقيدة التثليث في عقائد روما الوثنية من غير تبديل إلا في الأسماء.
وهذا هو ما سهل على الروم بعد ذلك قبول المسيحية في نفس روما الوثنية من غير تبديل إلا في الأسماء وهذا هو ما سهل على الروم بعد ذلك قبول المسيحية في نفس شكل الوثنية عندهم وكل ذلك كان مجهولًا في بلاد المسيح خاصة وقد أرسل المسيح إلى بني إسرائيل ولم يكن لديهم حينذاك شيء من ذلك، بل كانوا موحدين.
فإذا أضفنا إلى هذه الظاهرة: ظاهرة أخرى أشد قوة هي أن مخطوطات قديمة ظهرت فجأة في كهف قمران وكلما تؤكد البشرية للسيد المسيح وتنفي عنه الألوهية.
وإن هذه مخطوطات مكتوبة في القرن الأول للسيد المسيح عرفنا إلى حد تتجلى اليوم هذه الحقيقة التي ظلت مطموسة أكثر من ستة عشر قرنًا أي منذ عقد مؤتمر شيعة عام 350 ميلادية وقرر أن السيد المسيح إله وابن إله مخالفًا بذلك كل النصوص والوثائق والكتب المحصورة في ذلك العهد.