(الشبكة الإسلامية) د. صلاح الصاوي
يحكم العمل السياسي في المذهبية الإسلامية عدد من الأصول والقواعد الكلية نوجز بيانها فيما يلي:
أولًا: السيادة للشرع:
فقد تمهد في محكمات الشريعة بداهاتها الأولى أن الحجة القاطعة والحكم الأعلى هو الشرع لا غير ، وأن الإرادة التي تعلو على جميع الإرادات ، والسلطة التي تهيمن على كافة السلطات والتي لا تعرف فيما تنظمه أو تقضي فيه سلطة أخرى تساويها أو تساميها إنما هي إرادة الله عز وجل ، ولقد انعقد إجماع الأمة كلها في مختلف أعصارها وأمصارها على أنه لا دين إلا ما أوجبه الله ولا شرع إلا ما شرعه ، فلا حلال إلا ما أحله ولا حرام إلا ما حرمه . وأن من جادل في هذه البداهة فرد على الله أمره بتحليل حرامه أو بتحريم حلاله ، أو أعطى غيره حق التحليل والتحريم والتشريع المطلق فقد خلع ربقة الإسلام عن عنقه . وقد انعقد إجماع الأصوليين على أن الحكم هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييرًا أو وضعًا ، وأن العقل ليش بشارع ، وأن الإجماع لا ينعقد إلا على نص ؛ لأن الأمة لا تملك إنشاء الأحكام ابتداء ، وأنه لا قياس مع النص ، وأنه لا اعتبار للمصلحة التي تتعارض مع الشرع ، وأن كل ما أحدث على خلاف الدين فهو رد ، وأن اتباع أهل العلم إنما يكون من جهة علمهم بالشريعة وقيامهم بحجتها وحكمهم بأحكامها ، وأن تحكيم الرجال من غير التفات إلى كونهم وسائل لمعرفة الحكم الشرعي ضلال وبهتان ، وأن الشورى لا تكون إلا في الأمور المباحة وما سكتت عنه الشريعة وتركته عفوًا - يجتهد فيه الناس بما يحقق مصالحهم ، وأنه إذا وضح النص ليس لأحد أن يتقدم عنه أو يتأخر ولعل في تدبر هذه الآيات ما يجلي هذه الحقيقة: قال تعالى: (إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيّم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [سورة يوسف: 40] وقال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) [الأحزاب: 36] وقال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما) [النساء:65] وقال تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) [الشورى: 21] .
بل إن هذه الحقيقة هي الإسلام كله ، فالقبول بها قبول بالإسلام وردها خلع للربقة وكفر بالإسلام ، فالإسلام هو الاستسلام لله وحده ، فمن استسلم له ولغيره كان مشركًا ، ومن لم يستسلم له كان مستكبرًا عن عبادته ، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر به ، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وطاعته وحده .وهذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله من الناس دينًا غيره ، وذلك بأن يطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت ، ولهذا كان الإسلام دين الرسل جميعًا كما قال تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) [آل عمران:19] وقال تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) [آل عمران:85] ويترتب على هذا المبدأ بطبيعة الحال خضوع الجميع في دار الإسلام للشريعة حُكامًا ومحكومين ، ونزع الشرعية عن كل عمل يتعارض مع الشريعة .
فالمشروعية التي تستند لها الديمقراطية العلمانية ويتغنى بها الكتاب والمفكرون لن تبلغ عشر معشار ما تقرره الشريعة في هذا المضمار. ولم لا ؟ وقد أعطت الشريعة للأمة حق المعصية في المعصية لأنه لا طاعة إلا في الطاعة ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، بل حق الحسبة وتغيير المنكر باليد ، لا يُستثنى من ذلك حاكم ولا محكوم ، فالكل امام سلطان الشريعة سواء .
ثانيًا: السلطة للأمة:
فسيادة الشرع في المنهج الإسلامي لا تعني الثيوقراطية التي لفظتها المجتمعات الغربية ، لأنه لا بد من التفريق بين مصدر السلطة السياسية ومصدر النظام القانوني في المنهج الإسلامي ، فالسلطة السياسية مصدرها الأمة ، والنظام القانوني مصدره الشرع ، وكم يؤدي الخلط بين الأمرين إلى تشويش وتلبيس !! فإذا كانت الحجة القاطعة والحكم الأعلى هو الشرع ، فإن السلطة في التولية والرقابة والعزل للأمة ، ولها في إطار سيادة الشريعة مطلق الحق في ذلك لا ينازعها فيه إلا ظلوم ، ولا يسلبه منها إلا طاغوت مراغم لمقاصد الشريعة ومحاد الله ورسولهوقد تجلّى هذا المعنى في مقالات الخلفاء الراشدين المهديين ، نذكر منها: