فهرس الكتاب

الصفحة 21795 من 27345

لماذا اختاروا الجعفري ؟

أحمد فهمي

هل يمكن القول أن إبراهيم الجعفري مرشح السيستاني لمنصب رئاسة الحكومة العراقية سيكون رجل إيران الأول في العراق ؟ يبدو ذلك بالنسبة للكثيرين أمرا مرجحا لأسباب معروفة أبرزها أن الجعفري على علاقة قوية بإيران التي احتضنته تسع سنوات منذ فر سيرا على الأقدام هربا من نظام صدام عام 1980م ، كما أنه يترأس حزب الدعوة الديني وهذا يقربه من نظام الملالي في طهران ، ولكن هل يكفي ذلك لاعتباره رجل إيران في بغداد ؟

حقيقة الأمر أن اختيار الجعفري لتولي رئاسة الحكومة لم يأت بسبب تدافعات داخلية شيعية فقط ، فالرجل يمثل بحق نقطة الالتقاء الأصلح بين إيران والإدارة الأمريكية ، وذلك عند مقارنته ببقية الزعماء الشيعة في قائمة التحالف وأبرزهم عبد العزيز الحكيم وأحمد الجلبي ، وتبدو ملائمة شخصية الجعفري للظرف السياسي الحالي في كونها تحمل كما لا بأس به من المتناقضات والتي تجعله قابلا لإعادة الصياغة من جديد كما أنه لن يكون مقيدا بأطروحات أيديولويجية تكبل تحركاته السياسية ، وقد كان الجعفري يتخذ موقفا معارضا من الحملة الأمريكية على الفلوجة ، ويحاول أن يظهر في موقف المعارض لسياسة الاحتلال في نفس الوقت الذي يصر فيه على عدم مطالبة الإدارة الأمريكية بإعلان جدول زمني للانسحاب ، وهو مطلب يظهره أتباع السيستاني أحيانا ، وقد صرح الجعفري بعد إعلان اختياره لمنصب رئاسة الحكومة أنه لن يطلب من القوات الأمريكية مغادرة العراق في الظرف الحالي لعدم وجود الأمن ، وهنا موطن الملائمة في شخصية الجعفري فهو قريب من إيران أيديولويجا وسياسيا ولكنه براجماتي إلى الحد الذي يسمح له بتأييد الاحتلال الأمريكي دون مواربة .

يضاف إلى ما سبق أن منصب رئيس الوزراء في الفترة القادمة تنحصر أهميته في متابعة المهمة الرئيسة للمجلس الوطني المنتخب وهي كتابة دستور دائم للعراق ، وهي مهمة حُدد لانتهاءها نهاية هذا العام حيث سيتم حل المجلس وإجراء انتخابات جديدة ، وهذا يعني أن الجعفري لن يسعد بمنصبه أكثر من عشرة أشهر كحد أقصى وهي مدة متناسبة مع مواصفات المرحلة ومع شخصية الجعفري أيضا ، ولتوضيح ذلك نقول أن الجعفري لا يتبنى نموذج ولاية الفقيه المطبق في إيران ، بل يفضل نموذجا أكثر انفتاحا ويمكن اعتباره ممثلا لليبرالية الشيعية داخل التيارات الدينية الشيعية وهذا يقربه من الإدارة الأمريكية ولذلك أعلن الجعفري بعد اختياره صراحة أنه لن تكون هناك مساع لإقامة دولة دينية في العراق ، وهو بذلك يرد على تصريحات علاوي التي حذر فيها من الدولة الدينية .

وفي المقابل فإن نظام طهران صرح على لسان أكثر من مسؤول أنه لا يكترث إذا ما أقيم نظام علماني في العراق ، وقال حسين موسويان رئيس لجنة السياسة الخارجية بالمجلس الأعلى للأمن القومي أن إيران لا تخشى من قيام دولة ديمقراطية علمانية في العراق باعتبار ذلك يمثل تهديدا للمؤسسة الدينية في طهران ، حيث ستدفع الإيرانيين للمطالبة بمحاكاة النموذج العراقي الشيعي وتطبيق تعديلات ديمقراطية .

وقد كانت الإدارة الأمريكية تراهن على ذلك بالفعل وتعتبر النظام العلماني في العراق خطوة على طريق إسقاط نظام الملالي في طهران وجاء اختيار إياد علاوي رئيسا للوزراء ضمن الجهود الأمريكية لإقامة هكذا نظام ، ولكن نجح ملالي طهران في ممارسة ضغوطات قوية أدت إلى توحد الأحزاب الدينية الشيعية في قائمة واحدة لتركيز الدعم الشيعي الشعبي في اتجاه الزعماء الدينيين لفرملة السعي الأمريكي تجاه علمنة الدولة القادمة في العراق ، وهكذا وقف الطرفان في منتصف الطريق ، فلا الجعفري يتبنى إقامة الدولة الدينية ، ولا الإدارة الأمريكية حققت نجاحا في إقامة نظام علماني ، ويبدو الوضع مرشحا لاستمرار على هذا التأرجح حتى عند كتابة الدستور الدائم ، فاحتمالات كلا الدولتين: الدينية والعلمانية ، تبدو أضعف مع مرور الوقت ويبقى النموذج المختلط رائجا والذي يناسبه ترشيح شخصيات مثل إبراهيم الجعفري ، وإن كان ذلك لا ينفي أن النموذج الأفضل - أمريكيا - هو شخصية مثل إياد علاوي ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت