فهرس الكتاب

الصفحة 21794 من 27345

والعبرة بالنتائج كما يقول المثل ، ومن ثم فإن التسليم المطلق بالعلم الغربي (الإنساني) من قبل العلماء العرب أو المسلمين بعامة ، والاعتماد عليه ، ونقله نقلًا اتباعيًا أو استسلاميًا ، إنما هو خطأ علمي ، قبل أن يكون خطيئة عقدية ، لكون هذه العلوم في الأعم الأغلب ، تنبثق حينًا أو تتمخض حينًا آخر عن منظومة من التصورات والأفكار التي تتعارض ابتداءً مع التصور الديني - عمومًا - للكون والحياة والإنسان ومع التصور الإسلامي بوجه الخصوص ، هذا التصور الذي يملك من الحيوية ما يمكنه من منح علماء الإنسانية فرصًا أفضل للتوصل إلى نتائج موضوعية.

وهذا بإيجاز شديد ، هو أساس الدعوة إلى أسلمة المعرفة ، أو التأصيل الإسلامي للعلوم الإنسانية ، وهي دعوة اضطلعت بها مؤسسة كالمعهد العالمي للفكر الإسلامي ، وتبناها بشكل عام حشد من العلماء والدارسين ، بعد إذ رأوا فيها تعديلًا للوقفة الجانحة ، وعودة بالوضع الشاذ إلى سويته ، فإن النشاط العلمي في مجال الإنسانيات لن يستكمل أسبابه ما لم يستهد بمعطيات الوحي ومعاييره ، جنبًا إلى جنب من معطيات الوجود ، إنه في هذه الحالة سيتحرك وفق ضوابط تقيه الانحراف والزلل ، وتقوده إلى نتائج أكثر دقة وانضباطًا.

ولن يتحقق ذلك بطبيعة الحال ، ما لم تشهد الجغرافيا العربية والإسلامية حشودًا من العلماء المتخصصين في هذا الحقل أو ذاك من حقول المعرفة الإنسانية ، وما لم تتهيأ لهم المختبرات ووسائل العمل الملائمة والتقنيات المتقدمة التي تعينهم في عملهم.

وحينذاك قد تستدعى كشوف (الآخر) للإفادة من حلقاتها الإيجابية ، وتنميتها والبناء عليها. ولكن هذا الجهد ليس هو نهاية المطاف ، كما كان يحدث في الماضي وإنما هو طبقة من عدة طبقات يصير فيها العالم المسلم أكثر استقلالية وأقدر على الكشف والإبداع.

إن المعرفة الإنسانية هي في نهاية الأمر فرصة لتأكيد الذات لا لنفيها ، ولقد مضى إلى غير رجعة ذلك الزمن البائس الذي كان العائدون من ديار الغرب ، من المتخصصين في الفروع الإنسانية ، يرجعون وهم يحملون إحساسًا مبالغًا فيه بقداسة الكشف الغربي وشموليته وقدرته على الدوام ، وكاد جيلنا في خمسينيات القرن الفائت وستينياته يذهب ضحية هذه الرؤية ، ولولا أن تداركت رحمة الله ثلة من أبناء هذه الأمة رفضت الانجراف بعيدًا باتجاه العلمانية الأوربية المدعاة ، وتشبثت بثوابتها الإسلامية التي هي مع العلم وليست نقيضه ، كما كان الحال في أوربا النصرانية ثم ما لبثت انهيارات العلم الإنساني الغربي أن منحتهم اقتناعًا أكثر عمقًا بسلامة موقفهم ، فمضوا يشقون طريقًا جديدًا.

ثمة ما يجب أن يقال في هذا المجال وهو أن العقل الغربي كان يملك في الوقت نفسه القدرة المدهشة على نقد الذات ، ومحاولة تعديل الوقفة ، وتغيير القناعات الخاطئة فإذا استطاع علماؤنا أن يدخلوا من هذه الثغرة فإنهم سيفعلون الكثير.

مجلة المنار ، العدد 84 ، رجب 1425هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت