ها قد رأيتِ أخيتي القبر وهو روضة جنان للمؤمن، وقد رأيته أيضًا وهو حفرة نيران للفاجر ...
والآن .. بعد أن رأيتِ المصيرين؛ مصير المؤمن ومصير الفاجر، تعالي لتتوقي أسباب الغواية، ولتعرفي أسباب الهداية ...
طريق الهلاك
قال الإمام ابن القيم:[أما الأسباب التي يعذب بها أصحابها في القبور، فجوابها من وجهين؛ مجمل ومفصل.
أما المُجمل: فإنهم يُعذَّبون على جهلهم بالله، وإضاعتهم لأمره، وارتكابهم لمعاصيه، فلا يعذب الله روحًا عرفته وأحبته وامتثلت أمره، واجتنبت نهيه، ولا بدنًا كانت فيه أبدًا، فإن عذاب القبر وعذاب الآخرة أثر غضب الله وسخطه على عبده، فمن أغضب الله وأسخطه في هذه الدار، ثم لم يتب ومات على ذلك؛ كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب الله وسخطه عليه، فمستقل ومستكثر، ومصدق ومكذب.
وأما الجواب المفصل: فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجلين اللذين رآهما يعذَّبان في قبورهما، يمشي أحدهما بالنميمة بين الناس، ويترك الآخر الاستبراء من البول ]
فعذاب القبر من معاصي القلب، والعين والأذن، والفم واللسان، والبطن والفرج، واليد والرجل، والبدن كله.
زهرة ... هذا الهلاك فاحذري.
1-الشرك بالله والكفر به:
ومن أعظم أسباب عذاب القبر الإشراك بالله.
قال تعالى: 'وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ' [الأنعام: 93] .
وذلك أن الكافر إذا احتُضر؛ بشَّرته الملائكة بالعذاب والنكال، والأغلال والسلاسل، والجحيم وغضب الرحمن الرحيم؛ فتفرق روحه في جسده وتأبى الخروج؛ فتضربهم الملائكة حتى تُخرج أرواحهم من أجسادهم، قائلين لهم: 'أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ' [الأنعام: 93] .
2-الكذب:
ففي الحديث الذي رواه البخاري عن سمرة بن جندب t، والذي يصور مشاهد العذاب في القبر ... قال صلى الله عليه وسلم:
[[... فانطلقنا ، فأتينا على رجل مُستلق لقفاهُ، وإذا آخرُ قائمٌ عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشرُ شدقهُ إلى قفاهُ، ومنخره إلى قفاهُ، عينه إلى قفاهُ، ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعلُ به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغُ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانبُ كما كان ثم يعودُ عليه فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى .. ] الحديث
الكلوبُ: حديدة معوجة ينزع بها الشيء أو يعلق.
يُشرشِرُ: يقطع.
ثم جاء البيان في آخر الحديث بقول الملكين للرسول صلى الله عليه وسلم: [[ ... وأما الرجُل الذي أتيتَ عليه يُشرشرُ شدقهُ إلى قفاهُ، ومنخره إلى قفاهُ، وعينهُ إلى قفاهُ؛ فإنهُ الرجل يغدو من بيته، فيكذبُ الكذبة تبلغُ الآفاق ... ] ] الحديث.
[3-4] هجر القرآن بعد تعلمه، والنوم عن الصلاة المكتوبة:
وفي نفس الحديث السابق يوضح لنا النبي صلى الله عليه وسلم مشهد عذاب القبر لمن هجر القرآن بعد تعلّمه، ولمن نام عن الصلاة المكتوبة ... قال صلى الله عليه وسلم: [[ ... وأنا أتينا على رجل مُضجع، وإذا آخر قائمُ عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه؛ فيثلغُ رأسهُ، فيتدهدهُ الحجرُ ها هنا، فيتبعُ الحجر، فيأخذهُ فلا يرجعُ إليه حتى يصح رأسهُ كما كان، ثم يعودُ عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى ! .... ] ]
[يَثْلغَْ رأسهُ] : أي يشدخه ويشقه.
[يَتَدهْدَهُ] : أي يتدحرج، والمراد أنه دفعه من عُلوٍ إلى أسفل، وتدهده إذا انحط.
ثم جاء البيان في آخر الحديث بقول الملكين للرسول صلى الله عليه وسلم: [[ ... وأما الرجلُ الأول الذي أتيتَ عليه يُثلغُ رأسه بالحجر؛ فإنه الرجل يأخذُ القرآن فيرفضهُ، وينام عن الصلاة المكتوبة] ].
وهجر القرآن يجمع الآمرين ترك القراءة وترك العمل.
أما النوم عن الصلاة المكتوبة، وترك صلاتها مع جماعة المسلمين، بل يثقل رأسه على الفراش؛ فجزاؤه أن يثُلغ ويرضخ هذا الرأس الذي هذا فعله وشأنه، وهكذا يُعذب إلى قيام الساعة، فقد جاء في بعض الروايات:
[[ ... فيفُعل به إلى يوم القيامة] ].
[ 5-6 ] عدم الاستبراء من البول، والمشي بين الناس بالنميمة:
فعن ابن عباس t قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بحائط -أي بستان- من حيطان المدينة، فسمعَ صوت إنسانين يُعذبان في قبورهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [[إنهما ليُعذبان، وما يعُذبان في كبير] ] ثم قال: [[بلى وإنهُ لكبير، كان أحدُهما لا يستتر من بوله] ] وفي رواية: البول، [[وكان الآخر يمشي بالنميمة، ثم دعا بجريدة رطبة، فكسرها كسرتين، فوضع على كل قبر منهما كسرةً، فقيل له: يا رسول الله لِمَ فعلت هذا ؟ قال صلى الله عليه وسلم: [[لعلهُ أن يُخففَ عنه ما لم ييبسا] ] متفق عليه.
7-الغيبة: