فهرس الكتاب

الصفحة 18278 من 27345

الحمد لله ، كان على كل شيء حسيبا ، وكان الله على كل شيء رقيبا ، إن الله كان بما تعملون خبيرا . أحمده سبحانه وأشكره ، وأتوب إليه وأستغفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، سميع بصير ، عليم خبير ، قوي قدير ، علي كبير ، وكان الله بما تعملون بصيرا

قصة عجيبة ، تفاصيلها غريبة ، سطرتها كتب السير ، وصورتها عدسات المؤرخين ، أنقلها لكم في بث غير مباشر ، من المدينة النبوية الشريفة ، في تسجيل حي لثمرة جهاد حبيبنا وقرة أعيننا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله ، وإنقاذ من أطاعه من عذاب الله ، وتهذيب نفوسهم ، وتزكيتها ، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين .

تلك الثمرة أينعت نفوسا تقية ، تسعى إلى العليا بكل ثبات ، تضحي بالدنيا كلها لتنال مرادها رضوانا من الله ، وجنة عالية ، قطوفها دانية .

ولهذا ، ومن أجل يقينها التام بلا إله إلا الله منهجا للحياة ، طبقت تلك الكلمة تطبيقا ولا أروع ، فغدت حياتها كلها لله ، كما أمرت بأمر نبيها: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له . فكانت تلك النفوس مسلمة حقا ، منقادة صدقا ، فجعلت دنياها الدنية مطية للآخرة ، تنتظر أن ينادي المنادي هلموا إلى الجنة التي كنتم توعدون . فصبرت ، وشكرت ، وجاهدت ، وبذلت ، ودعت ، وبالمعروف أمرت وعن المنكر نهت ، وعن كل ما يسخط مولاها أعرضت ، وعلى كل ما يحبه أقبلت ، وقبل كل ذلك ومعه تجردت وأخلصت .

فلننتقل أخي الكريم إلى المدينة النبوية بأفكارنا ، وقلوبنا ، لنشاهد فصول تلك القصة القصيرة جدا ، ولكنها مليئة عبرا وتذكيرا .

تعال معي أخي الحبيب نقتبس نورا من سلفنا نهتدي به في ظلمات حياتنا إلى الصراط المستقيم ، وننجو به من غياهب الفتن ومضلاتها .

فافتح ستارة قلبك ليدخل إليه ذلك النور ، فتزداد نورا على نور ، ومتع ناظريك ، وأطرب سمعك بسير الصالحين ، لتسير مسيرتهم ، وتتبع سبيلهم فتلتقي بهم في جنات ونهر ، في مقعد صدق عند مليك مقتدر .

أيها الحبيب: تخيل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قبل أربعة عشر قرنا ، وقد أرخى الليل سدوله ، وهجعت العيون ، إلا قليلا ، فأناس كانوا في تلك الأيام كثيرا ، وما أقلهم في أيامنا هذه ، كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ، وبالأسحار هم يستغفرون .

إننا نستمع في هجعة الليل أما من ذلك البيت تقول لابنتها: يا ابنتاه قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء ، وهي بذلك تريد أن تكثر من اللبن ليكثر ثمنه ، لأن الإنتاج لا يكاد يغطي مصاريفهما ، ولا يكفي حاجاتهما ، فغلبتها نفسها ، ودعتها حاجتها إلى تلك الفعلة المحرمة أصلا ، بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: من غش فليس منا . وهي عادة البشرية ، تغفل وتنسى ، ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما .

بيد أن البنت التي تربت على الصدق ، وغمر قلبها لباس التقوى تجيب أمها بكل أدب ، مشعرة إياها أنها قد نسيت ، فهي تذكرها ، والذكرى تنفع المؤمنين . قالت البنت: يا أمتاه ، أوما علمت بما كان من عزمة أمير المؤمنين اليوم ؟ فقالت الأم: وما كان من عزمته يا بنية ؟ قالت: إنه أمر مناديه أن لا يشاب اللبن بالماء . فقالت لها: يا بنتاه قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء ، فإنك بموضع لا يراك عمر ، ولا منادي عمر . فقالت الصبية التقية: يا أمتاه ، والله ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلا . وفي رواية أخرى: قالت: إن كان عمر لا يرانا فإن رب عمر يرانا .

أيها الأحبة: كم في هذه الجملة من عبر ، كم فيها من حقائق ، كم فيها من عظة ، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، فليتنا نقف عندها ، ونفهم مرادها ، ونعمل بمدلولها ، ما كنت لأطيعه في الملأ ، وأعصيه في الخلا .

فسل نفسك أخي الحبيب هل تتعامل في حياتك على هذا الأساس ؟ هل ملأ قلبك هذا المبدأ العظيم ، وهو يترجم بكل واقعية إيمانية حقيقة أن الله على كل شيء حسيب ، وعلى كل شيء رقيب ، وأن الله بكل شيء محيط ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ، ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ، إن الله بكل شيء عليم .

بكل صدق ويقين ، بكل أمانة إن كان عمر لا يرانا ، فإن رب عمر يرانا . وضع مكان عمر من شئت من المسئولين ، وولاة الأمر وتفقد نفسك ، وحاسبها على هذا المبدأ ، وسيتبين لك أنا في كثير من أمورنا لا نتعامل إلا مع عمر ، ولا نقيم وزنا لرب عمر . وأنا نطيع في الملأ ونعصي في الخلا .

وخذ هذا المثال يوضح لك المقال ، ألا ترون أن المعاكسات الهاتفية قد اندثرت بعد خدمة كشف الرقم ؟ هل كان المعاكس أو المزعج يتعامل مع عمر أم مع رب عمر ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت