:"إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون" (آل عمران:59 )
هذه الآية الكريمة جاءت في نهاية الثلث الأول من سورة آل عمران , وهي سورة مدنية , ومن طوال سور القرآن الكريم إذ يبلغ عدد آياتها مائتي آية بعد البسملة . وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي قصة امرأة عمران , وابنتها السيدة مريم أم عيسى ( عليهما السلام ) , كما تروي معجزة ميلاده من أم بغير أب , وتذكر عددا من المعجزات التي أجراها الله ( تعالي ) علي يديه .
ويدور المحور الرئيسي لسورة آل عمران حول حوار أهل الكتاب لتحديد عدد من ركائز العقيدة الإسلامية وتشريعاتها .
وتستفتح السورة الكريمة بالحروف المقطعة الثلاثة الم التي جاءت في مطلع ست من سور القرآن الكريم . وقد سبق التعليق علي هذه المقطعات في عدد من المقالات السابقة , ولا أري ضرورة لتكرار ذلك هنا .
ويدور نصف السورة تقريبا ( من الآيات 1 ـ 85) في حوار أهل الكتاب ( ممثلين في وفد نصارى نجران الذي كان قد قدم المدينة المنورة في السنة التاسعة للهجرة من أجل خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم ) .
وتتضمن هذه الآيات الكريمة الإشارة إلي اليهود , وإلي خبث نواياهم , وكراهيتهم للحق وأهله , وتآمرهم علي غيرهم من الأمم , ومكرهم وخداعهم , كما تتضمن تحذير المسلمين منهم ومن دسائسهم ومؤامراتهم , ومؤامرات غيرهم من أهل الكفر والشرك والضلال الذين يدعمونهم , وأهل النفاق الذين يلتفون من حولهم .
وتؤكد سورة آل عمران ضرورة الإيمان بجميع الرسالات السماوية , وبجميع أنبياء الله ورسله دون أدني تفريق لأن رسالتهم جميعا واحدة وهي الإسلام العظيم الذي بعث به كل نبي وكل رسول وفي ذلك يقول ربنا ( تبارك وتعالي ) :
إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب (آل عمران:19)
ويقول ( عز من قائل ) :
ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ( آل عمران:85)
وقد جاء الخطاب إلي أهل الكتاب في ( قرابة السبعين ) آية (من الآية 18 إلي 85) نختار منها قول ربنا ( تبارك وتعالي ) :
قل يا أهل الكتاب تعالوا إلي كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ( آل عمران:64)
وبعد ذلك تحدثت الآيات في سورة آل عمران عن عقاب المرتدين , وحكم الله ( تعالي ) فيهم , ودعت إلي الإنفاق في سبيل الله , وحذرت من تحريف اليهود للتوراة , وأمرت باتباع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين .
وأشارت السورة الكريمة إلي الكعبة المشرفة بصفتها أول بيت وضع للناس , وأكدت فريضة الحج علي المستطيع من المسلمين , وكررت من عتاب أهل الكتاب , كما عتبت علي كفار قريش كفرهم وضلالهم بينما آيات الله تتلي عليهم وفيهم خاتم أنبيائه ورسله ( صلي الله عليه وسلم ) , وأوصت بتقوي الله ( سبحانه وتعالي ) في السر والعلن , وبضرورة الاعتصام بحبله جميعا , ونهت عن فرقة الكلمة , وذكرت العباد بنعم الله ( تعالي ) عليهم , ودعت إلي نفرة أمة الإسلام للدعوة إلي الخير , وإلي الأمر بالمعروف , والنهي عن المنكر , ووصفت الذين يستجيبون لهذا النداء الإلهي بأنهم هم المفلحون .
وتحدثت سورة آل عمران عن مصائر كل من المؤمنين والكافرين في الآخرة وجزائه , وأكدت أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق , أنزله بالحق علي خاتم أنبيائه ورسله ( صلي الله عليه وسلم ) , وأنه هدي وموعظة للمتقين . وخاطبت أمة الإسلام بقول ربنا ( تبارك وتعالي )
كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ... (آل عمران:110)
وبعد ذلك انتقلت سورة آل عمران إلي الحديث عن غزوة أحد , وما أصاب المسلمين فيها من انكسار بسبب مخالفتهم لأوامر رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) في ساحة المعركة , وذكرت بانتصارات بدر , وبمبررات ذلك الانتصار , وصاغت تلك الأحداث صياغة ربانية معجزة لا تتوقف عند حدود وصف المعركتين وصفا مجردا , ولكن تتجاوز ذلك إلي توجيهات ربانية دائمة في بناء الجماعة الإسلامية , وتوضيح سنن الله في النصر والهزيمة إلي يوم الدين , مؤكدة أن لله ما في السماوات وما في الأرض , وأن الله تعالي يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وأنه غفور رحيم . وتنهي هذه السورة الكريمة عن أكل الربا , وتحذر من عذاب النار , وتأمر بطاعة الله ورسوله , وبالمسارعة إلي طلب المغفرة من الله , وسؤاله الجنة التي أعدت للمتقين الذين أوردت شيئا من صفاتهم , وتوصي بالسير في الأرض من أجل الاعتبار بعواقب المكذبين الذين كذبوا رسل الله وحاربوا دينه وأولياءه .