فهرس الكتاب

الصفحة 24619 من 27345

بقلم مبارك القحطاني

"...في حياتنا الكثير من الإنجازات و الإبداعات التي لو سبرت غورها ، و نبشت قعرها ، لألفيتها بدأت من ردة فعل لموقف معين ، حرّكت جمود الذهن ، فانبثقت منها فكرة ، قلّبها العقل على نار التفكير الهادئة ، ثم اختمرت ، و نضجت ..."

في حياتنا الكثير من الإنجازات و الإبداعات التي لو سبرت غورها ، و نبشت قعرها ، لألفيتها بدأت من ردة فعل لموقف معين ، حرّكت جمود الذهن ، فانبثقت منها فكرة ، قلّبها العقل على نار التفكير الهادئة ، ثم اختمرت ، و نضجت ، إلى أن انتهت أخيرًا بمشروع عمل .

و من بين هذه المواقف التي لا تُعدّ = موقف طريف ، لكن كان له أثر كبير جدا في إعداد مشروع ضخم لإنقاذ جانب من تراث الأمة الإسلامية من الضياع و التلف ؛ و هو أن"الملا عبد القيوم"رحمه الله أحد علماء الهند في حيدر آباد الدكن في أواخر القرن التاسع عشر ميلادي ، حصل أن زاره بعض إخوانه في داره ، ثم بعث ابنه ليشتري بعض الحلوى ، فلما عاد الولد بالحلوى إذ بها ملفوفة ، ملفوفة بماذا ؟

كانت ملفوفة بمخطوطةٍ نادرةٍ تُعدّ كنزًا من كنوز تراثنا الإسلامي !.

فهال هذا الشيخ الجليل ما آل إليه حال مخطوطاتنا من ضياع ، و إهمال ، و امتهان ! .

لكن هذه الصدمة المُمضّة قدحت في ذهنه فكرة إنشاء دار تعمل على جمع هذه المخطوطات ، و حفظها ، و تحقيقها ، ثم نشرها ؛ لإنقاذها من هذا المصير المؤلم .

فاتّجه إلى الإمارة الآصفية في حيدر آباد الدكن ، وخاطب المسئولين عن التعليم والمعارف فيها ، فلقي منهم استجابة وتشجيعًا ، ثم شُكّلت لجنة مكونة من علماء أجلاّء ، و لقيت هذه اللجنة دعمًا ماديًا من الحاكم آنذاك و هو"نظام الملك آصفجاه"الذي تبناها و أصدر مرسومًا في عام 1308 هـ ، بإنشاء دائرة المعارف النظامية نسبة إليه ، ثم تحولت في عام 1956 م إلى دائرة المعارف العثمانية ( ولا علاقة لها بالدولة العثمانية ) نسبة إلى الحاكم"النظام مير عثمان"الذي كان يدعمها سنويا بعشرات الألوف من الجنيهات .

و استمرت طيلة عهدها في إحياء نفائس التراث الإسلامي لسنين طويلة فعلى سبيل المثال: نشرت"المستدرك على الصحيحين"للحاكم النيسابوري ، و"سنن البيهقي"، و"التاريخ الكبير"للبخاري ، و"مسند أبي عوانة الإسفراييني"، و"مسند الطيالسي"، و"الصارم المسلول على شاتم الرسول"لشيخ الإسلام ابن تيمية ، و"تذكرة الحفاظ"للعلامة الذهبي ، هذا فضلا عن كتب اللغة والأدب و التاريخ ، مثل"الفائق في غريب الحديث و الأثر"للزمخشري ، و"الجمهرة لابن دريد"، و كتبًا كثيرة تصعب على العد والحصر في460مجلدًا من أمهات الكتب .

و توسع نطاق عمل هذه الدائرة المباركة من جمع المخطوطات التي توجد في الهند إلى جمع المخطوطات من جميع مكتبات العالم عن طريق التصوير و الشراء ؛ إذ حظيت بالدعم المادي من جهات كثيرة ، بعد أن رأت دورها الإيجابي و الرائد في هذه القضية المهمة .

و قد عمل فيها العديد من جهابذة العلم و أساطين تحقيق التراث ، ويكفي أن نعلم أن العلامة"عبدالرحمن المعلّمي اليماني"رحمه الله ، قد عمل فيها محققًا و ناشرًا للكثير من كتب السلف ، فكانت هذه الدائرة بحق مفخرة لأهل الهند ؛ يقول عنها العلامة"عبدالحي الحسني":"إنها نشرت كتبا قيمة في الحديث و أسماء الرجال و التاريخ واللغة و وعلوم الحكمة و الرياضة كان يتسامع بها الفضلاء و يحن إليها العلماء ، ولم تر ضوء الشمس ، فكانت مأثرة علمية تذكر ، وتشكر".

و يقول"محمد رشيد رضا":"العالم الإسلامي يحمد للهند فضلها في طباعة الأعمال الأساسية في الموضوعات الإسلامية خاصة في السيرة و الحديث".

و يقول"محمد الأرزنجاني الدمشقي":"إن دائرة المعارف العثمانية قد أسدت إلى العلم و أهله أيادي بيضاء ، و لقد أخرجت كنوزا ثمينة جديرة بأن تكون من أزهى جواهر المعرفة في جيد الدهر . تلك العقود و الجواهر الخالدة التي كانت العقول النيرة تائقة لسبر غورها و الإستطلاع عليها من كل الأمم".

و يقول العلامة"محمود الطناحي":"و يعدّ ما نشرته دائرة المعارف العثمانية ؛ من كتب رجال الحديث ، و تراجمهم ، من أوسع و أعظم ما نشرته الدائرة ، و هو عمل لم تقم به هيئة أخرى ، في داخل العالم العربي ، أو خارجه".

و أقوال كثيرة أعرضت عنها خشية الإطالة ، كلها تلهج بالثناء و العرفان لهذه الدار التي نشأت بفضل الله ثم لفافة الحلوى التي أتى بها الولد لأبيه"الملا عبد القيوم"! .

فلا تحقرنّ يا أخي الكريم من الأفكار شيئا ؛ فإذا كان طريق الألف ميل يبدأ بخطوة ؛ فطريق أكبر الإنجازات يبدأ بفكرة ! .

المراجع:

1-"دائرة المعارف العثمانية ، ظروف النشأة و مراحل التطور"، حماد العنقري ، مقال منشور في مجلة الفيصل ، عدد 276.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت