لقد تنوعت وسائل الأذى من الكفار للمسلمين وكانوا يعاملون كل مسلم حسب مكانته الاجتماعية وعمله , وفي ذلك يقول ابن إسحاق رحمه الله: وكان أبو جهل الفاسق يغري بهم- يعني بالمسلمين - في رجال من قريش , إذا سمع بالرجل قد أسلم , له شرف ومنعة أنَّبه وأخزاه, وقال: تركت دين أبيك وهو خير منك , لَنُسفِّهن حلمك , ولنُفَيِّلنَّ رأيك ( [1] ) , ولنَضَعَنَّ شرفك. وإن كان تاجرًا قال: والله لنُكَسِّدَنَّ تجارتك , ولنهلكن مالك , وإن كان ضعيفًا ضربه وأغرى به ( [2] ) .
وهكذا يقف الكفار في مواجهة المسلمين فيقومون بتشويه سمعتهم وإسقاط مكانتهم في المجتمع بكل الطرق التي يرونها مؤثرة , وهم لعدم إيمانهم بالله واليوم الآخر لايتورعون عن مأثم ولايخشون عقوبة على أعمالهم السيئة , فلذلك يبيحون لأنفسهم الكذب والتزوير , ويضللون الرأي العام بأقوال وأخبار مختلقة , يقصدون منها إضعاف معنوية المسلمين .
ومن كان ماله من المسلمين يقوم على التجارة ونحوها مما يقوم على التعامل مع الآخرين فإنهم يحاصرونه ويشوهون سمعته التجارية ويضعون العراقيل في وجهه حتى يفلس في تجارته .
هكذا شأن الكفار والمنافقين في حربهم مع المؤمنين في كل زمن , وقد لايملك المسلمون من وسائل المقاومة إلا الصبر والزهد في الدنيا وانتظار الفرج , فإذا تحققت فيهم هذه الصفات كما توافرت لدى الصحابة رضي الله عنهم فإنهم جديرون بنصر الله تعالى والتمكين في الأرض .
هذا ومما استعمله الكفار ضد المسلمين من الأذى جحود حقوقهم المالية حتى يكفروا بالإسلام, ومن ذلك ماجاء في رواية أخرجها الإمام البخاري رحمه الله من حديث خباب بن الأرتّ رضي الله عنه قال: جئت العاص بن وائل السهمي أتقاضاه حقًّا لي عنده , فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم , فقلت: لا حتى تموت ثم تبعث , قال: وإني لميت ثم مبعوث؟ قلت: نعم , قال: إن لي هناك مالًا وولدًا فأقضيك , فنزلت هذه الآية (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا) ( [3] ) .
وقول خباب"لا حتى تموت ثم تبعث"ليس على ظاهره بل المراد منه تبكيت ذلك الكافر, يقول الحافظ ابن حجر في ذلك: مفهومه أنه يكفر حينئذ - يعني بعد البعث - لكنه لم يُرد ذلك لأن الكفر حينئذ لايتصور , فكأنه قال: لا أكفر أبدًا , والنكتة في تعبيره بالبعث تعيير العاص بأنه لايؤمن به ( [4] ) , ويحتمل أنه أراد تهديده بذلك .
هذا ومما يلاحظ من الأخبار السابقة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمنع المسلمين آنذاك من الرد على عدوان الأعداء ويأمرهم بالصبر على الأذى لأن وضعهم لم يكن يسمح لهم بالدفاع عن أنفسهم بالقوة , ولاشك أن وراء أمرهم بالصبر حكَمًا عظيمة .
ولقد حاولت أن ألتمس شيئًا من هذه الحكم , ولكني وجدت أن ماسطره الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى أبلغ وأشمل مما كتبته بكثير فرأيت اقتباس ماكتبه في هذا الموضوع لأهميته , يقول رحمه الله تعالى:
أما حكمة هذا فلسنا في حلٍّ من الجزم بها , لأننا حينئذ نتألَّى على الله مالم يبين لنا من حكمة, ونفرض على أوامره أسبابًا وعللا , قد لاتكون هي الأسباب والعلل الحقيقية , أو قد تكون ولكن يكون وراءها أسباب وعلل أخرى لم يكشف لنا عنها , ويعلم سبحانه أن فيها الخير والمصلحة .. وهذا هو شأن المؤمن أمام أي تكليف , أو أي حكم في شريعة الله لم يبين الله سببه محددا جازما حاسما فمهما خطر له من الأسباب والعلل لهذا الحكم أو لذلك التكليف, أو لكيفية تنفيذ هذا الحكم أو طريقة أداء ذلك التكليف , مما يدركه عقله ويحسن فيه , فينبغي أن يعتبر هذا كله مجرد احتمال . ولايجزم - مهما بلغت ثقته بعلمه وعقله وتدبره لأحكام الله- بأن ما رآه هُوَ حكمةً , هو الحكمةُ التي أرادها الله .. نصا .. ,ليس وراءها شيء , وليس من دونها شيء ! فذلك التحرج هو مقتضى الأدب الواجب مع الله . ومقتضى مابين علم الله ومعرفة الإنسان من اختلاف في الطبيعة والحقيقة .
وبهذا الأدب الواجب نتناول حكمة عدم فرض الجهاد في مكة وفرضيته في المدينة .. نذكر مايتراءى لنا من حكمة وسبب .. على أنه مجرد احتمال .. وندع ماوراءه لله . لانفرض على أمره أسبابًا وعللا , لايعلمها إلا هو .. ولم يحددها هو لنا ويطلعنا عليها بنص صريح!
إنها أسباب .. اجتهادية .. تخطيئ وتصيب . وتنقص وتزيد . ولانبغي بها إلا مجرد تدبر أحكام الله . وفق ما تظهره لنا الأحداث في مجرى الزمان .