عبد الله العجمي 19/10/1425
لم يخالجني الشك طرفة عين أن هناك من سيقرأ بيان العلماء والمشايخ السعوديين في نصرة الشعب العراقي والذي عُرِف ببيان الـ26 قراءة أمريكية يمينية!
والسبب في عدم دهشتي هذه هو أن منطق الأشياء وسيرورتها يقود إلى هذه النتيجة.
وقبل أن أوصم بأنني أمارس التخوين أوالتنقيب في خائنة الأعين وما تخفي الصدور فدعوني أبتدىء مبينًا أنني لا أخوِّن أحدًا بعينه فتخوين المُعَّين كتكفيره لا يصح بلا شروط تقع وموانع ترتفع.
اليوم وقبل ساعات من الآن كنت أسائل نفسي: هل الحكم على كتابات أحد من الناس في منعطف تأريخي حاد ووضع فكري مأزوم ينبغي أن يتِّم بالنظر إلى مجمل أعمال الكاتب ومدى موضوعيته واللذين هما نتاج لصيق لحياته الاجتماعية والفكرية والتحولات النوعية فيهما؟
أم أننا مُلزمون بنقد مضمون ما يكتب دون النظر إلى أي اعتبارات زمانية أو مكانية أخرى؟
ألا يجب أن يُصدر الحكم قبل النظر والبحث الموضوعي في الطرف المستفيد مما يكتبه هذا الكاتب أو ذاك ويوجهه ؟
أليس هذا ما يفترضه المنطق ؟
ألا يمكن أن يوجد رأيٌ ورأيٌ آخر ورأي عميل أم أن الأمر مقتصر على الثنائية المحصورة في الرأي والرأي الآخر ؟ لو قبلنا بوجود الرأي العميل- كونًا وشرعًا وعُرفًا فكريًا - هل يمكن إدخال الرأي العميل في إطار التنوع والاختلاف لأوجه الحوار الفكري الموضوعي ؟
أعتقد أننا بحاجة لقليل من الذكاء الذي يخوِّلنا فهم تداعيات الأشياء والأفكار والمواقف من حولنا، وقليل من البصيرة النافذة القادرة على فتح دفة كتاب التاريخ بيد، وطالع المستقبل في اليد الأخرى.
لسنا أغبياء كفاية لنصدق أن تقرير راند حول الإسلام العلماني المستنير لم يكن موضع تنفيذ، ومادةً يعول عليها على أرض الواقع منذ سنوات طويلة، فالأمريكان يملكون الكثير من مراكز الدراسات والمعاهد البحثية الجامعية والمؤسسات الفكرية الموجهة لقرءاة التحولات الاجتماعية والفكرية والسياسية في كل أنحاء العالم وعلى رأسها الشرق الأوسط، بل والخليج العربي على وجه الخصوص، والذي يُمثل نفطه بالنسبة للأمريكان العمود الفقري ومصدر القوة الأمريكية اليوم...
ستعمل أمريكا، كما عملت قبلًا حين أنشأت منظمة الحرية الثقافية إبان الحرب الباردة، من أجل استقطاب الأقلام المؤيدة لسياساتها في كل مكان. إنْ بعلمٍ ومال واتفاق، وإنْ بجهل وغباء، وإنْ بتقاطع مصالح يقود إلى تصفية خصم مُشترك...
من يظن أن بلدان الخليج بمعزل عن نشأة فكر يواطىء النظرة الأمريكية لنا ولثوابتنا ولقضايانا فهو محتاج لغسيل ظنه الآثم بقرءاة ما يكتبه أصحاب هذا الفكر في صحفنا السيارة.
ألا يقرأ ما يصف به البعض من بني جلدتنا الاحتلال الأمريكي للعراق؟
إنَّهم يسمونه تحريرًا !! في الوقت الذي يسميه الأمريكان أنفسهم احتلالًا... ألا يحق لك أن تشك بعد هذا في هذه الأمركة العربية المتقدمة التي لم يصل لها الأمريكان أنفسهم ؟
انظر إلى الخندق الأمريكي الغازي للفلوجة، وتمعن جيدًا في تلك الوجوه الإعلامية والصحفية والتي تقف في ذات الخندق... لا تتفاجأ... نعم إنهم عرب. بل أقرب. بل أقرب.
غزت أمريكا الفلوجة فقتلت من المدنيين العزل وفعلت ما لم يفعله الطاغية صدام حسين، بل قتلت الجرحى الذين يجأرون بالشكوى إلى الله في المساجد، ولم تُفرِّق بين شيخِ وامرأة وطفل، بل جعلت الفلوجة"مدينة المساجد"مدينة أشباحٍ غروزنيِّة أو غرونكيِّة حيث تمتلىء شوارعها وبيوتها بالأجساد المتفحمة والجُثث المتعفنة لضعفة القوم من النساء والأطفال والشيوخ الذين قضوا رميًا بالرصاص أو قصفًا بالطائرات، أو نسفًا بالصواريخ، أو قذفًا بالقنابل غير الذكية، حتى لم يبق حفنة رمل لم تعطر بدماء الشهداء؛ جراء البغي الأمريكي الغاشم، دون أن تجد هذه الجثث أدنى التفاتة من جيش الغزاة البربري، بل ودون أن يسمح البرابرة الجدد للأهالي والمُسعفين بدفن الضحايا ومواراة أجسادهم الثرى، ذاك الحق الذي كفلته الفطرة السوية من زمن ابني آدم!
هذا الكمَّ من الوحشيِّة والقتل والتدمير الذي طال المدنيين لم يكن له ما يُسوِّغه سوى شهوة الانتقام والقتل والعربدة التي لم تجد لها ما يردعها.على الجانب السياسي كان صوت الأمة عاليًا - الله أكبر!!! - بالشجب الحيي والاستنكار الرقيق والتنديد الخجول كورق محارم ماركة السياسة العربية المُسجلة في ديوان الذل والهوان والخرس الشيطاني. أما على الجانب العسكري فكان جهد القلة من إخوتنا المرابطين على ثغور الفلوجة، والضاربين للعالم أروع الأمثلة في التضحية والصمود والدفاع عن كرامتنا التي مُرِّغت بالتراب، بل والدفاع عن كرامة بني البشر الذين أراد الجلاد الأمريكي جعلهم سِخرة له في"أميستاد"جديدة!