فهرس الكتاب

الصفحة 8000 من 27345

من خلال دعوة الرسل لأقوامهم

إن الوقوف مع السنن الربانية المستوحاة من دعوة الرسل لأقوامهم لمن الواجبات التي ينبغي للدعاة أن يلموا بها ويعرفوها؛ ليستفيدوا منها في تفسير الأحداث والمواقف والنوازل، ولا يستغربوها ويفاجأوا بها؛ لكونها تحدث بأمر الله وحكمته التي جعلت للأحداث والمتغيرات سننًا لا تتبدل ولا تتحول.

كما أن في معرفة هذه السنن معرفة بأسباب النصر والتمكين، وأسباب الهزيمة والخسران، وفي الغفلة عنها تفريط في الأخذ بأسباب النجاة، وإعراض عن هدي الأنبياء، الذين ساروا في ضوء السنن الربانية؛ لأنهم أعرف الناس بالله وأسمائه وصفاته، وسننه وأيامه. وفي التفكير والتأمل في سير الأنبياء مع أقوامهم تعرف هذه الثمرة العظيمة.

السنن الربانية تعريفها، ودلالتها، ووقت ظهورها:

قال تعالى:قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [137] } [سورة آل عمران] . وقال عز وجل:فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [43] } [سورة فاطر] .

يُعرِّف ابن تيمية رحمه الله السنة ودلالتها، فيقول:'والسنة هي: العادة في الأشياء المتماثلة... ولفظ السنة يدل على التماثل؛ فإنه سبحانه وتعالى إذا حكم في الأمور المتماثلة بحكم، فإن ذلك لا ينقض، ولا يتبدل، ولا يتحول، بل هو سبحانه لا يفوِّت بين المتماثلين، وإذا وقع تغيير فذلك لعدم التماثل. كما أن من سننه التفريق بين المختلفين، كما دل على ذلك القرآن؛ قال الله تعالى:أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ [35] } [سورة القلم] ، ومن هذا الباب صارت قصص المتقدمين عبرة لنا، ولولا القياس، واطراد فعله وسنته؛ لم يصح الاعتبار بها. والاعتبار إنما يكون إذا كان حكم الشيء حكم نظيره، كالأمثال المضروبة في القرآن وهي كثيرة' ا.هـ.

أما عن وقت ظهورها وتحققها: فهو إلى الله، وقد يبدو للناس أن أسباب تحقق سنة الله قد انعقدت، ومع ذلك لم يأذن الله بظهورها عن علم وحكمة، قال الله تعالى:وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [47] } [سورة الحج] ، وقال عز وجل:وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا [59] } [سورة الكهف] . يقول سيد قطب رحمه الله:'هناك حقيقة ينساها البشر حين يمكّن الله لهم في الأرض. ينسون أن هذا التمكين إنما تم بمشيئة الله ليبلوهم فيه؛ أيقومون عليه بعهد الله وشرطه من العبودية له وحده، والتلقي منه وحده؟ أم يجعلون من أنفسهم طواغيت تَدّعي حقوق الإلهية وخصائصها؟ إنها حقيقة ينساها البشر، فينحرفون عن عهد الله ويمضون على غير سنة الله، ولا يتبين لهم في أول الطريق عواقب هذا الانحراف، ويقع الفساد رويدًا رويدًا وهم ينزلقون ولا يشعرون حتى يستوفي الكتاب أجله ويحق وعد الله. ثم تختلف أشكال الأخذ والنهاية؛ فمرة يأخذهم بعذاب الاستئصال، بعذاب من فوقهم أو من تحت أرجلهم كما وقع لكثير من الأقوام، ومرة بالسنين ونقص الأنفس والثمرات كما حدث لأقوام آخرين، ومرة يذيق بعضهم بأس بعض، فيعذب بعضها بعضًا، ويدمر بعضهم بعضًا، ويسلط الله عليهم عبادًا له - طائعين أو عصاة - يخضدون شوكتهم. ثم يستخلف الله العباد الجدد ليبتليهم بما مكنهم.

وهكذا تمضي دورة السنة؛ فالسعيد من وعاها، والشقي من غفل عنها، وإنه لَمِمَّا يخدع الناس أن يروا الفاجر الطاغي، أو الملحد الكافر ممكنًا له في الأرض غير مأخوذ من الله. ولكن الناس إنما يستعجلون، لأنهم يرون أول الطريق أو وسطه، ولا يرون نهاية الطريق؛ لأن السنة تستغرق وقتًا طويلًا لكنها تلاحظ من خلال التاريخ'ا.هـ

ويقول الدكتور السّلمي:'والسنة الربانية قد تستغرق وقتًا طويلًا لكي ترى متحققة، في حين أن عمر الفرد محدود؛ ولذلك فقد لا يمكنه رؤية السنة متحققة، بل قد يرى الإنسان جانبًا من السنة الربانية، ثم لا تتحقق نهايتها في حياته، مما قد يدفعه إلى عدم إدراك السنة، أو التكذيب بها. وهنا يكون دور التاريخ في معرفة أن السنة الربانية لا بد أن تقع، ولكن لمَّا كان عمرها أطول من عمر الفرد - بل ربما أطول من أعمار أجيال - فإنها ترى متحققة من خلال التاريخ الذي يثبت أن سنة الله ثابتة لا تتبدل كما قال تعالى:سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [62] ]} [سورة الأحزاب] ا.هـ

السنن الثابتة من خلال التفكر في تاريخ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت