سلسلة دراسات إسلامية معاصرة
الجنس
أنور الجندي
منشورات المكتبة العصرية
صيدا - بيروت
###53### الجنس
علت صيحة"الجنس"في السنوات الأخيرة، وحاولت أن تأخذ حجمًا أكبر من حجمها الطبيعي في مجال الثقافة، والصحافة والسينما والمسرح، ولم يكن ذلك ناتجًا عن وجود مشكلة أساسية بقدر ما كان نقلا عن أجواء أخرى، وبيئات مغايرة، وظروف غير طبيعية.
ذلك أن الجنس في نطاق الفكر الإسلامي والمجتمعات الإسلامية، لا يشكل ظاهرة خاصة منفصلة عن الحياة الاجتماعية، وليست له أزمة معينة فرضتها عوامل قديمة، تغيرت من النقيض إلى النقيض.
ذلك لأن الإسلام بطبيعته يلتمس فطرة الإنسان ويعترف برغائبه، ويفتح له الطريق إلى تحقيق الصلة بين الرجل والمرأة على أحسن أسلوب وأسمى طريق.
###54### ومن ثم فلا تقوم في المجتمع الإسلامي حالة من حالات التحدي التي تدعو إلى الصراع النفسي بالمنع، أو الكبت أو احتقار الصلة الطبيعية القائمة بين الرجل والمرأة على النحو الذي شهدته بيئات الغرب، والتي كانت مصدر الدعوة الصارخة إلى إطلاق الجنس، وتحرير وسائله وأسبابه.
ذلك أن الأزمة التي عرفتها أوروبا والتي جاءت من تفسيرات قدمت للدين على أنه دعوة إلى مطالبة البشر بأن يزهدوا في رغائد الجسد، وأن يكبتوا النوازع الفطرية إعلاءً للروح وسموًا بها، وبذلك علت الدعوة إلى إنكار الصلة الطبيعية مع المرأة، ووصفت المرأة بأنها شيطان مريد، واعتزل الناس الحياة على الجبال والأكنان في اقتناع بأن هذا، هو الطريق الصحيح إلى مرضاة الله.
ولقد كان لهذا المفهوم أثره البعيد المدى على النفس الإنسانية، والحياة الاجتماعية جميعًا، فقد عاشت النفس الإنسانية حياة مريرة، تمزقها المحاولة التي تعمل على العزلة عن الحياة بقهر النوازع الفطرية بحجة أن هذه النوازع دنس يجب أن يتطهر منه الأتقياء.
وبذلك أوشكت الحياة أن تتعطل، فقد انصرف الناس إلى الأديرة، وهجروا السعي في الأرض؛ ولم يكن ذلك إلا ###55### فهمًا باطلا لدعوة الدين في إعلاء القيم الروحية والنفسية دون الحرمان من الاستجابة للرغبات والنوازع الفطرية.
ومن هذا الانحراف الشديد الذي استمر مسيطرًا على الحياة الاجتماعية في الغرب قرونًا طويلة، تولدت الدعوة إلى الانطلاق والتحرر وإعلاء الجنس انطلاقًا من القاعدة التي تقول: إن كل فعل، له رد فعل مساوٍ له في القيمة، مختلف عنه في النتيجة.
وهكذا انتقلت أوروبا من النقيض إلى النقيض؛ وجاء فرويد فدعا إلى إعلاء الجنس وإطلاق الجنس، وحمل راية التهديد والوعيد بالمرض والعصاب لكل من يعترض على دعوته، وبذلك انفتح الباب واسعًا أمام الفكر الغربي والمجتمع الغربي إلى معارضة النظرة القديمة وحربها دون هوادة على أسلوب حاد عنيف، لا يلتمس الاعتدال أو التوسط أو النظرة الموضوعية، ولكنه يجري في اندفاع خطير، فيدمر كل شيء.
ولقد كانت نتيجة هذا التحول خطيرة وبالغة الأثر، وقد ظهرت آثارها سريعًا، فقد هدمت القيم الروحية والنفسية والأخلاقية؛ وفكت القيود والضوابط، ودفعت الناس دفعًا إلى الفاحشة والتحلل والإباحية على نحو، كان له آثاره الخطيرة ###56### في هذه الأزمة التي يمر بها الإنسان الغربي والمجتمع الغربي نتيجة التمزق والشك والصراع والاندفاع الجنوني نحو إرضاء الغرائز دون تقدير لأي نتائج تتعلق بكيان الإنسان نفسه أو بالمجتمع الذي يعيش فيه.
2-أما الإسلام، فقد نظر إلى الجنس نظرة الفطرة، وحرره من معتقدات الرهبنة والرياضيات القاسية، كما حماه من أخطار التحلل والتدمير، وأعلن أن الرغبات من طبيعة الإنسان التي لا سبيل إلى الوقوف في وجهها؛ وإن كنا من المقدور ضبطها وتعديل مسارها وتخفيف أخطارها وتذليلها لتؤدي الغاية منها دون إسراف أو فساد أو تجميد، ومن هنا وضع لها ضوابط من الحلال والاعتدال والعفة.
كذلك فإن الإسلام كشف عن مهمة الجنس ودوره؛ وكيف أنه جزء من مهمة كبرى للإنسان، وليس الغاية الكبرى في حياته، وأنه وسيلة إلى بناء الأسرة وإنشاء الجماعة، وتوالي حركة المجتمع ونموه ليحقق إرادة الله الكبرى في تعمير الأرض، وليس الجنس هو غاية الحياة كما تقول الفلسفات الغربية، وليس هو أكبر أهدافها.