وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون ... ... ...
قال - تعالى: (( وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون ) ) [الأنعام/123] .
هذه الآية تحكي عن أمر مطَّرد في تاريخ الأمم وسير الدعوات. قال الشيخ محمد رشيد رضا:"إن سنة الله - تعالى - في الاجتماع البشري، قد مضت بأن يكون في كل عاصمة لشعب، أو أمة، أو كل قرية، أو بلدة بعث فيها رسول، أو بلدة مطلقاً؛ رؤساء وزعماء يمكرون فيها بالرسل في عهدهم وبسائر المصلحين من بعدهم" [تفسير المنار للشيخ رشيد رضا 8/132] .
إذن، ففهم هذه الآية القرآنية، بل فهم هذه السنة الإلهية، مهم في إدراك طبيعة سير الأمور في التاريخ الإنساني، فيما مضى، وفيما بقي. فما من دعوة إصلاح، إلا وتصدى المجرمون الأكابر لحربها وتصدروا لمقاومتها، ولكنهم في النهاية - ومن حيث لا يشعرون - يسهمون إسهاماً مباشراً وأساسياً في إنعاشها وإحيائها بل، وفي تقويتها وإكسابها الصلابة والصلادة... كيف...؟!
تأمل هذه الآية، واستعرض تاريخ الرسالات والدعوات، تجد أن أكابر المجرمين يتسببون، فيما يبذلون من الضغوط والملاحقة والمطاردة لنبتات الإيمان المستضعفة، يتسببون في تقوية عودها، وإثراء روافدها، وتكثير المتعاطفين معها، ثم في غربلة عناصرها وتنقية صفوفها من الشوائب.
وقد يعجب المرء من نسبة كل هذه الإيجابيات التي تلحق بالدعوات إلى أفاعيل أعدائهم، ولكن هذا العجب يزول، عندما نعلم أن هؤلاء المجرمين يمثلون أداة الابتلاء التي تُطهر بها الصفوف، وتصهر فيها المعادن. قال - تعالى: (( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه، حتى يميز الخبيث من الطيب، وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء، فآمنوا بالله ورسله ) ) [آل عمران/179] .
فدعوة الرسل - على مر التاريخ - تبتلى بالمجرمين، ثم تكون العاقبة للمتقين. قال ابن كثير في تفسير قوله - تعالى: (( وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها... ) ):"وكما جعلنا في قريتك يا محمد أكابر من المجرمين والرؤساء ودعاة الكفر والصد عن سبيل الله، وإلى مخالفتك وعداوتك، كذلك كانت الرسل من قبلك يبتلون بذلك ثم تكون لهم العاقبة" [تفسير ابن كثير 2/164] .
-لقد مكر المجرمون الأكابر بأول الرسل نوح - عليه السلام: (( ومكروا مكراً كباراً، وقالوا لا تذرن آلهتكم... ) ) [نوح/22] ولكن مكرهم حاق بهم.
-ومُكر بنبي الله صالح - عليه السلام - فكانت العاقبة له: (( ومكروا مكراً ومكرنا مكراً وهم لا يشعرون، فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين ) ) [النمل/50، 51] .
-ومُكر بموسى - عليه السلام - أشد المكر، ولكن كان الأمر كما قال - تعالى: (( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ) ) [القصص/8] ، ومكر بأتباعه والداعين إلى دعوته (( فوقاه الله سيئات ما مكروا ) ) [غافر/45] .
-ومُكر بعيسى - عليه السلام: (( ومكروا ومكر الله والله خير المكرين. إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ) ) [آل عمران/54، 55] .
وسيرة هذا الرسول العظيم - صلى الله عليه وسلم - خير شاهد على ما دلت عليه الآية التي نتحدث عنها. ففي قريته - مكة - انبعث أكابرها المجرمون يمكرون، حتى اضطروا المستضعفين إلى الهجرة إلى الحبشة، ثم الهجرة إلى المدينة. تلك الهجرة التي انعكس بها السحر على الساحر، فإن هؤلاء المهجرين الممكور بهم، هم الذين دقوا أعناق أكابر المجرمين في بدر بعد أعوام قليلة، وهم الذين فتحوا القرية (( مكة ) )بعد ذلك، وأذلوا كبرياء المجرمين الأكابر فيها ولهذا، فإن ثمة سؤال، ينبغي أن يعاد طرحه، وتُعاد الإجابة عليه في ضوء ما حدث في دعوات المرسلين ومكر المجرمين بها. هذا السؤال هو: (( ما هو دور المجرمين في انتصار الدعوات التي يحاربون ) )؟.
وهو سؤال ربما يبدو غريباً... ولكنها الحقيقة التي نطق بها القرآن لو تأملنا، فالله - تعالى - يقول: (( وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون ) ). وقال: (( وما يحيق المكر السيئ إلا بأهله ) ) [فاطر/43] . وقال: [وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم )) [إبراهيم/46] . وقال: (( سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون ) ) [الأنعام/124] ، فالمكر يعود على أهل الكفر ويحيق بهم في الدنيا والآخرة، أما في الآخرة فظاهر، وأما في الدنيا فعلينا أن نستعرض نتائج مكر الكفار برسلهم، ونتائج مكر الكفار من أهل الكتاب والمشركين برسولنا - صلى الله عليه وسلم - خلال سنوات بعثته وحتى لقي ربه، وسوف نجد أن كل انتصار سُبق بمكر من المجرمين كبير.