فهرس الكتاب

الصفحة 6059 من 27345

التيار الإصلاحي والأمن المنهجي

د. مسفر بن علي القحطاني * 15/11/1424

أضحى الحديث عن الإصلاح شاغل المجالس والمنتديات، ولا يخلو حوار بين مجموعة من الناس إلا والإصلاح جزء منه خصوصًا في الأسابيع الماضية التي شهدت بعض مدن المملكة خروج بعض المظاهرات فيها تطالب بالإصلاح والتغيير. وأحب أمام هذه النازلة أن أذكر ببعض المسائل والخواطر التي سنحت في الذهن من خلال النقاط التالية:

أولًا: إن مسيرة الإصلاح في أي قطر لابد لها من مواصلة التقدم والسعي الدؤوب لسد احتياجات الفرد وتلبية متطلبات العصر, وأي توقف لها أو تعطيل أو حتى ركود قسري يجعلها عرضة لسيل التغيير الجارف، الذي يحتطم من بعيد والذي بدأ يسيل بقوة في كل أنحاء المعمورة من خلال العولمة التي تُحكّم قانون الغالب أو (الغاب) , وحينئذ لا مناص للنجاة من هذا السيل العرم إلا بالتمسك بكل حبل إنقاذ يحفظ لنا الضرورات الملحّة, و إلا كان مآلنا الانجراف التام فلا يجدي حينها العذل والعتاب, ولا الخطط الموعودة ولا البرامج التي في الأدراج.

إن الأمن المنهجيّ المطلوب في هذه المرحلة يتطلب إصلاحًا شاملًا جادًّا يضمن للجميع المشاركة وفق منهجية تنظر لثوابت الدين بعين وتلمح بالأخرى متغيرات العصر وتستشرف أزماته, ويتحمل أهل الكفاءة والأمانة عبء التنفيذ وعظيم المسؤولية في جوٍّ من الثقة المتبادلة والحوار الهادف، وهذا العمل هو الضمان الأكيد من كل تآمر طامع يسعى للفتنة في الداخل, أو يخلق أزمة في الخارج، ويضمن بردّ المنحرف إلى المسيرة المنشودة ويصحح كل صورة مغلوطة أو رؤية مغرضة تهدف إلى الفساد أو الإفساد.

ثانيًا: إن الأيام الماضية والتي شهدت خروج عدد من المواطنين في مظاهرات تطالب بالإصلاح والتغيير لم يكن الباعث فيها رؤية واعية للواقع أو نظرة شرعية للوقائع -وهذا من وجهة نظري-, وأرى -والله أعلم- أن الدوافع التي أخرجت أكثرهم للتظاهر؛ إما رغبة في الإثارة وتسليط الضوء الإعلامي عليهم!, أو حبًّا للفضول وسعيًا لمحاكاة بعض الأمم والشعوب في مسيراتهم الاحتجاجية مع كثرة الفوارق بيننا والبون الشاسع في الوعي بحيثيات المجتمع المدني.

إن السكون أمام هذه المظاهرات والوقوف مكتوفي الأيدي كي ننتظر تكرار تلك المظاهرات من أجل قمعها ووصم الخارجين فيها بالمروق والابتداع، في حين لا يزال أكثرهم مقتنعًا بأن هموم الإصلاح وحل المشكلات إنما هو من خلال الأثير الفضائي أو المنادة البعيدة القادمة من وراء البحار؛ وكأننا عُدمنا من الصلاح أو جردنا من الإصلاح. ولأجل ذلك يلزمنا أن نصارح بعضنا ونقرر طوع أنفسنا: أن هناك أخطاء وقصورًا في كثير من مؤسساتنا الأهلية والحكومية -ولا عيب أن نصرّح بذلك- على أن يكون علاجها منبثقًا من داخلها وبأيدي أبنائها, مع ضرورة بناء الوعي الحضاريِّ الشامل فيهم قبل بناء الجسور والمسلحات.

ثالثا: أثارت المظاهرات في الآونة الأخيرة الحديث عن مدى مشروعية هذه الوسيلة للتعبير عن المطالبات والاحتجاجات أو الضغط على أصحاب القرار والمسؤوليات، ولا يخلو تناول هذا الموضوع من تطرف وجنوح مال إليه بعض أهل العلم والباحثين، ولعل مرجع هذا التباين في الآراء إلى تصوّر وتكييف هذه النازلة، فمنهم من جعلها من المشروع المطلوب فعله وألحقها بأصول الشرع المعتبرة, ومنهم من جعلها نوعًا من المروق والإحداث في الدين.

وأعتقد -والله أعلم- أن معتمد الذين أجازوا المظاهرات قد بنوا دليلهم الأساس على المصلحة. ولهذا كانت الحاجة لتأصيل مفهوم (المصلحة) ؛ فالمصالح منها ما هو معتبر مشروع قد نص الشرع على اعتبار المصلحة فيها، ومنها ما نص الشرع على عدم اعتبارها، وهي التي تسمى بالمصالح الملغاة, ومنها ما سكت الشرع عنه ولم ينص عليه بعينه لا بالإلغاء ولا بالاعتبار وهي ما تسمى بـ"المصالح المرسلة", وجمهور الأصوليين على اعتبار حجيتها (1) , و لكن يبقى تقدير القضايا المستجدة ومدى اعتبار المصلحة فيها, إذ المصالح مظنة لدخول الهوى وحظوظ النفس؛ ولذلك رأى كثير من الأصوليين الحاجة لضبط المصلحة حتى لا تشطط عن الاعتبار والموائمة لأصول الشرع , ومن ضوابط المصلحة التي ينبغي تنزيلها على واقع المظاهرات في مجتمعنا (2) ما يلي:

1-ألا تخالف المصلحة نصًّا من الكتاب أو السنة أو الإجماع:

وليس هناك من النصوص الشرعية الصريحة ما يمنع أو يدفع القيام بالمظاهرات, ولو وجد نص في ذلك لارتفع الخلاف في المسألة.

2-أن تندرج المصلحة ضمن مقاصد الشرع الكلية:

فأي مصلحة تفوّت المحافظة على الدين أو النفس أو النسل والعرض أو العقل والمال؛ لا تعتبر مصلحة شرعية, والواقع يشهد أن كثيرًا من المظاهرات قد سوّغ لآخرين المطالبة بما يخالف الإسلام, كما يترتب على كثير منها اعتداء على الأنفس بالحبس والضرب, وربما وقع أثناءها اختلاط وفتن بين الجنسين, كما لا تخلو من تهييج وإثارة تهدر فيها الممتلكات والأموال المعصومة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت