3-أن تكون المصلحة يقينية أو يغلب على الظن وجودها:
بحيث يعلم أن هذه المصلحة متحققة من هذا العمل يقينًا أو بغلبة الظن, أما إذا كان يشك أو يتوهم وجود المصلحة كحال بعض المظاهرات فلا يسوغ حينئذ القيام بهذا العمل.
4-أن تكون المصلحة كليّة:
بمعنى لا تقتصر على فئة خاصة وتضر بالآخرين, وهذا يحدث في بعض المسيرات حيث لا يتعدى منفعتها الخاصة سوى فئة من المحفزين لها ويتضرر منها فئات من المستجيبين.
5-عدم تفويت المصلحة لمصلحة أهم منها أو مساوية لها:
وهذا الضابط معتبر عند تعارض المصالح فلا تقدم المصالح التحسينية أو الحاجيّة على الضروريات القطعيّة, ولا تقدم المصلحة الخاصة على العامة, ولا الظنيّة على الأكيدة, ولا القاصرة على المتعديّة, ولا المنقطعة على الدائمة, ولا المحدودة على الأطول نفعًا.. إلى غيرها من الضوابط التي ترتب سلم الأولويات عند تعارض المصالح مع بعضها, أما إذا كان التعارض مع المفاسد فيقدم الأغلب منهما, أما إذا استويا فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح (3) .
وبعد هذا العرض الموجز لضوابط المصلحة يتبين لنا حقيقة ما يدرج ضمن المصلحة من اجتهادات وأفعال قد لا تتفق مع مراد الشرع ومقاصده الكليّة.
ومع أهمية التأكيد أن المصالح طبيعتها متغيرة, فإنه يشترط كذلك النظر إلى مآلات الأفعال وتبدل الأحوال والظروف والأزمنة والأمكنة.
ومما يجدر ذكره في هذا المقام أيضًا: أن حجة القائلين ببدعية المظاهرات وكونها إحداث في الدين لا تخلو من أسئلة و مناقشات؛ لأن الإحداث في الدين هو التقرب إلى الله تعالى بعبادة لم يشرعها، أما الوسائل التي يتوصل بها إلى أداء مطلب شرعي لم يأت الشرع بتحديد كيفية أدائه على صورة مخصوصة؛ فلا تدخل في الإحداث في الدين؛ لأنها غير مقصودة لذاتها, ولا يقصد بها التقرب بخصوصها وكونها لم تكن على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- أو السلف فلأنها قد لا توجد لعدم وجود المقتضي لفعلها في عهده -صلى الله عليه وسلم-, ثم إن مجال الابتداع حق خاص للشارع لا يمكن معرفة حقه كمًّا وكيفًا ومكانًا وزمانًا وهيئةً إلا من جهة الشرع لا من آراء العباد (4) .
ولا يعني ذلك عدم موافقتهم في فتوى عدم الجواز, ولكن ينبغي أن يتناسب الحكم مع مقدار المخالفة تغليظًا أو تخفيفًا, وهذا المعلم التشريعي من جملة مقاصد الشريعة الغراء.
رابعًا: إن مسيرة الإصلاح الشامل التي يأملها كل مسلم وينشدها كل غيور لا ينبغي أن تكون معاكسة لما سنَّه الله من قوانين عامة أو مجانبة لنواميسه الثابتة في الحياة والأحياء. يقول الله عز وجل: (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلًا) [الأحزاب: 62] وقال سبحانه: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كانت عاقبة المكذبين* هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين) [آل عمران: 137ـ 138] .
فسنن التغيير البنّاء لا يمكن أن تحدث من خلال خُطب عاطفية تغبّش الرؤى, أو من خلال مسيرات حاشدة تلهب الجوى, أو بعصًا سحرية تفاجئنا بـ (المدينة الفاضلة) في لمحة بصر!. ولا شك أن هذا مخالف لما جاء في سير وسنن الأنبياء والمرسلين، إذ هم -صلوات الله عليهم وسلامه- أول وأفضل من قاد مسيرة الإصلاح الشامل في مجتمعاتهم فلم يتجاوزا قانون"اعقلها وتوكل"؛ بل سعوا ببذل الأسباب كلها والتوكل على مسببها مع مراعاة سنة البدء والتدرج بتغيير الأنفس بالإيمان وتأهيلها بالعمل الجاد المثمر, كما في قوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) [ الرعد: 13] وقوله تعالى: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين) [الأنفال:19] . وهذه معيّة خاصة تتناسب مع مقدار الإيمان وعمقه في النفوس .. إلى غيرها من السنن الباهرة الكثيرة التي تُغفل عند التخطيط وتُغمر حال التنفيذ, ويكون في نهاية المطاف مردّ الأمر إليها والاعتبار عليها في النهضة والتمكين. وبهذا المنهج الآمن تواصل مسيرة الإصلاح تألقها و تقدمها نحو حضارة عالمية مثلى تشهد لها بالخيرية على سائر الأمم والشعوب.
والله أعلم وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.* الأستاذ بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن
(1) انظر: المستصفى 1/141 , الإحكام للآمدي 4/32 , البحر المحيط 6/ 87 ,شرح الكوكب المنير 4/432 .
(2) انظر تفصيل الكلام في الضوابط: المستصفى 1/269-300, نهاية السول 5/77-90 , شرح الكوكب المنير 4/170و171, حاشية البناني على جمع الجوامع 2/ 584و585 , الموافقات 2/627-632 , إرشاد الفحول ص242 , ضوابط المصلحة للبوطي ص115-272.
(3) انظر في ترتيب المصالح والمفاسد: قواعد الأحكام 1/56و66 , مختصر الفوائد لابن عبد السلام ص141و142 , الموافقات 2/44-50 , مفتاح دار السعادة 2/14 , ضوابط المصلحة للبوطي ص 217 ومابعدها .