فهرس الكتاب

الصفحة 17237 من 27345

بقلم / هاني عتمان

مفكرة الإسلام: أبي إني أكرهك ... صرخة مدوية صدرت من الابن ذات يوم مصرحا بها جهرة في وجه أبيه .. [إني أكرهك] كانت بمثابة الصاعقة التي قرعت أذن والده، ووقف الأب مذهولا أمام أفظع كلمة سمعها طيلة حياته .. ويسمعها مِن مَن؟ ممن ظن أنه أكثر الناس حبا له .. من ابنه .. فلذة كبده .. قرة عينه .. حبيب قلبه.

ويقولها لمن؟!! لوالده .. لمن أولاه الرعاية والعناية، وسهر طويلا في سبيل القيام على حياته وجعلها أفضل حياة، يقول ذلك لأبيه؟!! فمن ذا يحب إن هو كره أباه؟!!

شعور من الذهول والشلل الفكري انتاب الأب تجاه هذا الموقف الذي لا يحسد عليه .. ماذا عساه يفعل؟ وما هو رد الفعل المناسب؟ تراه يضربه .. أم يتركه ويمضي .. أم يأخذه بين أحضانه؟!!

إن كل فعل من ذلك لا يلائم هذا الموقف الرهيب.

تُرى أيها القارئ الكريم لو أن أحد أصدقائك حكى لك تلك الواقعة، واستشارك، بم سوف تجيبه؟

أيا كانت إجابتك .. رجاء .. لا تتسرع وتلقي باللائمة على الابن، وكأن الأب هو الضحية، والجاني عليه ولده. فإن ما حدث كانت النهاية، ولم تكن البداية...

قد كان الابن ـ وللأسف ـ ضحية أبيه الذي أوصله إلى أقصى درجات العناء النفسي، والذي جعل من هذه الكلمة [إني أكرهك] بمثابة فوهة البركان الذي ينفث بها عما بداخله .. أقول 'فوهة البركان' فليست هذه الكلمة هي البركان ذاته، فإن ما بداخل هذا الابن من الكبت والضيق ما طفح به الكيل حتى أخرج بعض زفراته في ساعة هم وغم كادت تقتله كمدا.

دعني أوضح لك الأمر قبل أن تتحامل على كاتب المقال.

بديهيات واهمة:

يوجد في مخيلة كثير من الآباء جمل محفورة في أذهانهم أصبحت بمثابة المسلَّمات التي لا تقبل الجدل أو النقاش، أمثال: [كل الأبناء يحبون آباءهم] ، [حب الابن لأبيه واجب شرعي] ، [فطر الله الأبناء على حب الآباء] ... إلخ.

وأنشأت هذه المسلَّمات في خيال كثير من الآباء أيضا خطوطا حمراء وهمية لا يتصور بحال أن يتخطاها الأبناء، أو حتى أن يقتربوا منها، وعدوا غشيانها من قبيل المستحيلات الممتنعة الوقوع أصلا، وأمثلة هذه الخطوط الحمراء [بغض الابن لأبيه أو أمه] .

وربما فرضوا على الابن ذاته شيئا من تلك البديهيات، وطالبوه بالتسليم بها، إن لم يكن بالتصريح فربما بالتعريض، فعلى سبيل المثال: عندما يُسأل الابن عن أحب الناس إليه، فإن الإجابة الحتمية الفورية لابد أن تكون: أمي أو أبي .. أو كليهما.

وفي الحقيقة إن هذه القواعد والمسلَّمات التي وضعها الآباء في مخيلاتهم ما هي إلا أضغاث أوهام عشعشت في عقول كثير من الآباء، لا رصيد لها من الصحة، وسببها الرئيس هو الخلط بين عدة مفاهيم ظنوها مترادفة، وعدم فهم حقيقة بعض الأوامر الشرعية.

مفهوم البر ومفهوم الحب:

إن وجوب بر الابن لوالديه أمر من بديهيات شريعة الإسلام، فهو حق أعقبه الله في كتابه بعد حق توحيده تعالى بالعبودية {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا} .. وجعل الله عاقبة العقوق من أشد العواقب التي يعجل الله حسابها في الدنيا قبل الآخرة قال صلى الله عليه وسلم: [[ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة مثل البغي وقطيعة الرحم] ].

ولكن هل يعني وجوب بر الأبناء للوالدين وجوب حبهم؟! بمعنى آخر: هل لا يقبل الله البر من الأبناء ولا يثيبهم عليه إلا بشرط اقتران ذلك بحبهم؟

لقد خلط كثير من الآباء بين وجوب بر أبنائهم بهم من ناحية، ومحبة الأبناء لهم من ناحية أخرى، فظنوا أن كلا الأمرين متلازمان قرينان، لا سبيل لافتراقهما، فالبر عندهم مرادف للحب، والحب قرين للبر.

وفي الحقيقة هذا فهم خاطئ درج عليه الكثير من الآباء، والصحيح أن البر والحب أمران مختلفان تمام الاختلاف في المعنى والمنشأ والصورة الخاصة بكل منهما وفي طريقة التعبير أيضا.

فقد يحب المرء ما أظهر العقوق تجاهه، وعلى العكس قد يبغض ما هو مأمور بالبر به. كيف؟

أضرب مثالا أو مثالين للتوضيح:

من المعلوم أن من شروط كلمة التوحيد 'الحب المنافي للكره'، فلا يتحقق التوحيد في قلب امرئ إلا إذا أحب الله تعالى المحبة التي تنافي الكره تمام المنافاة، بل لابد أن يحب كل ما يحبه الله تعالى ليحقق هذا الشرط اللازم للإتيان بالإيمان الواجب. ولا يُتصور مسلم يظل على إسلامه إن هو صرح ـ والعياذ بالله ـ ببغضه لله تعالى أو النبي صلى الله عليه وسلم.

ومع ذلك فكم من مسلم عاق في حق الله تعالى، تجده مفرطا في أوامره، مرتكبا لنواهيه، ومع ذلك لا نقول بحال أن حب الله قد زال بالكلية من قلبه، وإلا نكون قد حكمنا عليه بذلك بالردة عن الإسلام، وإنما نقول أن إيمانه قد نقص بقدر تفريطه وتقصيره، وما زال حب الله له وجود في قلبه.

ومثال آخر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت