فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
من المعلوم أن من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة البراء من أعداء الله، ومنهم أهل الكتاب ـ اليهود والنصارى ـ، وهذا البراء يستلزم البغض لهم، والذي صرح الله به في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ} [الممتحنة: 1] . فبغض أهل الكتاب من فرائض الشريعة المحكمة، ومع ذلك أمر الله تعالى ببر طائفة منهم فقال: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة:8] .
فلا تعارض بين أن يبر المسلم بتلك الطائفة من أهل الكتاب ويقسط إليهم ولا يظلمهم، وهو مع ذلك مأمور ببغضهم وعدم إظهار الحب لهم.
من هذين المثالين يتبين لنا أن البر ما هو إلا سلوكيات ومعاملات وأخلاق مصدرها الجوارح، وبرهانها الأفعال .. أما الحب فإنه مشاعر وأحاسيس داخل وجدان الإنسان قد تقترن بالفعل، وقد تفارقه، صحيح أن من علامات الحب الطاعةَ والبرَّ، ولكن ليس دائما يكون الدافع للطاعة والبر هو الحب، كما اتضح ذلك من المثال الثاني.
من هنا أقول: إن تلك القاعدة مطردة أيضا في العلاقة التي تربط الابن بوالديه، فكم من ابن يبر والديه ولكن بمشاعر ميتة، فلا يشعر بأدنى عاطفة تجاههما، فما هو إلا مُنَفِّذ لما أُمر به، مؤدٍّ لما فرضه الله عليه ... وفقط.
وفي الحقيقة هذا صنف من الأبناء قد أدى الواجب المفروض عليه شرعا، وأسقط عن كاهله تبعة الحساب الأخروي، فإنه يأتي الله تعالى يوم القيامة وقد برئت ذمته من خطيئة عقوق الوالدين، فإن الله قد فرض على الأبناء الإحسان للآباء فقال: {وبالوالدين إحسانا} ، ولم يفرض على الأبناء حب الآباء، بل ترك هذه المشاعر ميدانا يتنافس فيه المتنافسون.
ولكن انتبه .. فإن المتسابقين الحقيقيين في ميدان تلك العاطفة ليسوا هم الأبناء .. وإنما هم الآباء، نعم، ويتضح ذلك من خلال العنصر الآتي.
حب الابن لوالديه فطري أم مكتسب؟
سبق وأن ذكرت في بداية كلامي أن من المسلَّمات الواهمة التي وضعها كثير من الآباء في خيالهم أن [الأبناء فطرهم الله على حب الآباء] .
وهي جملة لا وجه لها من الصحة، ولكن يمكننا أن نقول أن الله فطر الأبناء على التعلق بالوالدين، فيجد عندهما السكن والأنس والهدوء والراحة ما لا يجده ـ في الغالب ـ عند غيرهما.
أما مشاعر الحب فهي في الحقيقة أمر آخر يكتسبه الابن على مر الأيام والشهور والسنين.
ودليل ذلك أنك ترى الله تعالى قد أكثر في كتابه من توجيه الأبناء وحثهم على البر بالوالدين، ولم يوجه الله تعالى في كتابه أمرا مباشرا للوالدين بوجوب البر بالأبناء، وذلك لأن الله عز وجل قد [فطر الوالدين على حب الأبناء] ، وهذا هو الصحيح في هذه المسألة، نعم .. فإن الأصل أن كلا الوالدين مفطوران على حب ولدهما، إلا ما ندر وشذ، وهذا الحب الفطري يدفع ـ في الغالب ـ إلى البر والإحسان إلى الأبناء.
أما الأبناء فإن الأصل فيهم العقوق، من أجل ذلك أكد الله في أكثر من موضع من كتابه على قضية وجوب أداء حقوق الوالدين.
يقول سيد قطب رحمه الله: 'ومعظم الأوامر تتجه إلى توصية الذرية بالوالدين ـ وإن كانت لم تغفل توجيه الوالدين إلى الذرية ـ ... والذرية بصفة خاصة أحوج إلى توجيهها للبر بالوالدين. بالجيل المُدْبِر المولي؛ إذ الأولاد في الغالب يتجهون بكينونتهم كلها وبعواطفهم ومشاعرهم واهتماماتهم إلى الجيل الذي يخلفهم، لا الجيل الذي خلفهم'.
فإذا كان حب الابن لوالديه أمرًا مكتسبًا، وليس فطريا كما يفهم الكثيرون، إذن فالسؤال الطبيعي هنا، ما هو المحدد الرئيس في إنشاء عاطفة الحب لدى الأبناء تجاه الآباء؟
أقول: إن المحدد الرئيس في إنشاء تلك العاطفة، هو مدى قدرة الوالدين على إشباع الحاجات النفسية والروحية والعاطفية لدى الأبناء. وسأرجئ الكلام على سبل ذلك في موضوع مستقل إن شاء الله تعالى.
والذي أرنو إليه هنا هو توضيح أمر هام .. هو أن مشاعر الحب والمودة والتي يرتجي كل أب وأم أن تقترن بأخلاق البر والإحسان من أبنائهما هي أمر في أيديهما، لا في يد غيرهما، إن شاءا كان الولد بارا بهما محبا لهما، وإن شاءا جعلاه بارا بهما بلا عاطفة، وقد يكون في أحوال أخرى عاقا لهما غير بار ولا محب. ولكل حال من تلك الأحوال أسبابه التي تؤدي إليه، وسوف نُفَصِّل ما أجملناه في مقالات تالية إن شاء الله تعالى.