فهرس الكتاب

الصفحة 17383 من 27345

صمام الأمان1 -3

الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح

الخطبة الأولى:

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون

موضوعنا خطير، وأثره كبير، ونفعه إن تحقق عظيم، وضرره إن تخلف جسيم، انتبهوا جيدا، وأصغوا بقلوبكم قبل آذانكم، مقالات أبتدئ بها هذا الحديث لأؤكد على أهمية والعظمة، قال الغزالي رحمه الله -عن موضوعنا-:"هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوي بساطه، وأهمل عمله، لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة وعمت الفتنة وفشت الضلالة وشاعت الجهالة واستشرى الفساد واتسع الخرق وخربت البلاد وهلك العباد". نسأل الله عز وجل السلامة .

ويقول أبو بكر بن العربي أيضًا في موضوعنا:"هو ابتداء الدين والإسلام وهو انتهاءه".

ويقول القرطبي:"هو فائدة الرسالة وخلافة النبوة".

ويقول النووي رحمه الله كذلك:"هو باب عظيم به قوام الأمر وهلاكه".

فهل جال بخاطركم ما هو هذا الأمر ؟ هل هو التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، كل ذلك يصدق عليها لكن هذا لا يخفى على أحد ! هل هو فرائض العبادات كالصلاة أو غيرها ، كذلك الأمر فيها عظيم ! غير أن العلم بها وافر، إنه أمر له كل هذه العظمة, ومع ذلك لا يكاد يلتفت الناس إلى أهميته، وزمنا بعد زمن، وعصرًا بعد عصر تنحلُّ عراه، وتغيب شمسه، وتذوي جذوته، والأمر يشتد خطرًا ويعظم ضررًا، وكثيرون ما زالوا عنه غافلين وبه غير عارفين، وعنه غير سائلين .. هل أدركتم ما هو ؟

أحسب أن بعضا قد أدرك وربما كثيرون لم يدركوا .. إنه قطب الرحى صمام الأمان ، خصيصة هذه الأمة، سمة الدين والعبودية الحقة .. إنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

هل نُدرك أن له هذه العظمة ؟ هل ندرك لما قال أولئك العلماء الأفذاذ هذه المقالات ؟ لم يأتوا بها من عقولهم ولا من بنات أفكارهم، جاءوا بها من نور قرآنهم ومن هدي نبيهم صلى الله عليه وسلم .

ومضات سريعة ننظر فيها إلى هذه الشعيرة في إسلامنا وقرآننا وهدي نبينا صلى الله عليه وسلم، وإن ما أذكره ما هو إلا غيظ من فيض وقليل من كثير.

أولًا: حقيقة العبودية:

أكثر الناس يظنها في حفظ الصلاة والمواظبة على الصيام ومتابعة الحج والعمرة وإخراج الزكاة وليس وراء ذلك شيء، استمع لقول الحق سبحانه وتعالى: { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور } .

انظر إلى الأوصاف المتعلقة بأهل الإيمان: {التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين }

الصفة ملازمة لحقيقة العبودية وأداء الأركان والفرائض، قال ابن كثير في تعليقه وتفسيره لهذه الآية قال:"ينفعون خلق الله ويرشدونهم إلى طاعة الله بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر مع العلم بما ينبغي فعله ويجب تركه وهو حفظ حدود الله في تحليله وتحريمه علمًا وعملًا، فقاموا بعبادة الحق ونصح الخلق".

أمران متلازمان في دين الإسلام، لا تكمل العبودية إلا بهما، عبودية الحق ونصح الخلق.

واستمع كذلك إلى الوصية العظيمة التي جاءت بها آيات القرآن تعليمًا وتوجيهًا وتذكيرًا وتربية لنا، وصية لقمان: { يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور } .

تأمل هذا التتابع في سائر الآيات بعد ذكر الصلوات بعد سرد العبادات تأتي هذه الشعيرة ظاهرة واضحة.

قال الرازي في تفسيره:"إذا أكملت نفسك بعبادة فكمل غيرك، فإن شغل الأنبياء وورثتهم من العلماء هو أن يكملوا في أنفسهم ويكملوا غيرهم"

فهل نفقه ذلك من سمت عبوديتنا وحقيقة ربانيتنا ؟

ثانيا: سبب الخيرية:

وكلنا يحفظ الآية وكلنا يرددها { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون}

تأمل هذا المعنى أيضا خيرية واضح نصها وسببها وتقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالاحتفاء به وبيان أهميته وتوكيده بتعقيبه بالأمر الذي لا خلاف فيه وهو الإيمان بالله عز وجل، روى ابن جرير في تفسيره عن قتادة قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حجة حجها رأى من الناس رعة -أي نوعا من سوء الأدب والطيش والسفه- قال رأى من الناس رعة فقرأ الآية: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} ، ثم قال:"من سره أن يكون من هذه الأمة فليؤدي شرط الله فيها".

قال ابن كثير:"ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله جل وعلا بقوله: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه} ثم قال: ولما مدح الله في هذه الآية الأمة بهذه الصفات شرع بعد ذلك في ذم أهل الكتاب وتأنيبهم فقال: {ولو آمن أهل الكتاب} "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت