أ. د .ناصر بن سليمان العمر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولاعدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين… وبعد:
فقد وقعت في بلادنا خلال الأيام الماضية أحداث جسام، ومصائب عظام، وفتن تدع الحليم حيرانا، حيث تم الإعلان عن اكتشاف أسلحة وذخائر معدّة للتفجير، ثم انطلق الإعلام لايلوي على شيء، اتهامًا وسخرية وتصفية حسابات، ثم كانت ثالثة الأثافي حيث وقعت تلك التفجيرات التي هزت القلوب قبل الأجسام، وتسارعت الأحداث بشكل ينذر بخطر عظيم:
أرى خلل الرماد وميض نار
ويوشك أن يكون لها ضرام
فإن لم يطفها عقلاء قومي
يكون وراءها فتن عظام
وانطلقت الأصوات هنا وهناك لعلاج ماحدث، وتدارك الأمر قبل فوات الأوان، واختلط الحق بالباطل، وتكلم المحق والمبطل، والصادق والكاذب، والعالم والجاهل، والسيد والرويبضة، كل يدعي الإصلاح، ويبحث عن المخرج، فأصبح الناس في هرج ومرج، تفوق آثاره تلك الإنفجارات المدمرة، وانطلاقًا من العهد الذي أخذه الله على أهل العلم كتبت هذه الكلمات ناصحًا ومشفقًا ومبينًا، دون أن أجامل أحدًا، أو أكتم حقًا، فالوقت وقت الجد، ولانجاة إلا بالصدق، وقول الحق ولوكان مرًا:
أولا: موقفي من هذه الأعمال، وتلك التفجيرات ليس وليد الساعة، ولاحديث اليوم، وليس ردة فعل قد يشوبها شيء من التعجل وعدم الاتزان، بل هو موقف أعلنته مرارًا وتكرارًا، قبل أكثر من عشر سنوات، وبينت أن هذا ليس هو طريق الإصلاح، وأؤكد هذا مرة أخرى فأقول عن هذه التفجيرات، وماتركته من آثار أنه عمل محرم، حيث ذهبت ضحيته أنفس بريئة، وانتهكت فيه حرمات مصونة، والله سبحانه وتعالى يقول في محكم التنزيل: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) (المائدة:32) وقال سبحانه: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (النساء:93) ، وقد ثبت عن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال كما روى جابر - رضي الله عنه -:"إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا"رواه مسلم . وفساد مثل هذه الأعمال أمر ظاهر بيِّن وجلي، ولاينفع في هذا المقام، ومثل هذه الأفعال التأويلات الفاسدة، ولا التعميمات الجائرة، فهل أضل الخوارج إلا مثل ذلك، ولايمكن أن يتم الإصلاح عن طريق الإفساد، فإن الله لايصلح عمل المفسدين.
ثانيًا: اتهام الأبرياء، والأخذ بالظن والتخمين، ورمي المؤمنين بما لم يعملوا، وبهتهم بما لم يفعلوا، ظلم عظيم وإثم مبين، وعاقبته وخيمة، وآثاره أليمة في الدنيا والآخرة (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) (النور:15) ولن يغني عنك من الله شيئًا أن تقول سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته: (وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) (النور:16) .
واتهام الأبرياء أذىً ومنكرًا، كما قال سبحانه: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) (الأحزاب:58) ، وقال سبحانه: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) (النساء:112) .